Articles by "المقالات"

 


فلاح المشعل 

يشهد تاريخ العراق على ماقدمه الاحتلال البريطاني من تأسيس للبنى التحتية للدولة العراقية من مشاريع النقل مثل سكك الحديد والموانئ والطيران واستكشاف النفط وتصنيعه وتصديره، كذلك في الصحة والتعليم والطرق والجسور وقوانين الإدارة والماليةويطول الحديث عن منجزات مازالت شاخصة الى وقتنا الراهن، رغم انقضاض الطائرات والصواريخ الامريكية عليها في حربين أنتهت بإحتلال امريكي جارف للعراق .

      جاء الإحتلال الامريكي حاملا لوعود واحلام الديمقراطية التي يشكو جفافها مناخ العراق السياسي  منذ سقوط نظام الملكية، واستبدل تلك الوعود بنظام سياسي هجيني يحمل عناوين ديمقراطية، لكنه يقوم على تفريق الآصرة الوطنية على أسس مكوناتية تحمل معها أسباب احترابها، وتضع نيران خلافاتها تحت رماد فسادها المتخادم بين أحزابها وشخوصها التي أوكل لها الإحتلال تمثيل طوائفها واعراقها بنحو شكلاني احتكاري زائف، سرعان ما فضحته الاحداث وأسقطته احتجاجات الجماهير العراقية من شمال الوطن الى جنوبه .

       كشف الاحتلال الامريكي عن عدم امتلاكه لمشروع استراتيجي في العراق، وبات الأمر مترددا بين الادارتين الجمهورية والديمقراطية، مابين الانسحاب أو البقاء في العراق !؟ احتلال غير معني بالتحولات الكارثية التي اصابت العراق بوجود سلطة متشكلة من احزاب وتشكيلات تتبع ولاءها الطائفي، وتنتمي لعمقها الأثيني والقومي وتهمل كل مايعني بالمواطنية العراقية وحقوقها ، واقع سمح بإمتدادات وتدخلات ناعمة وصريحة لدول جوار العراق تحت انظار السفارة الامريكية، وبرغبة الاحزاب الحاكمة التي وفرت بيئات مستقبلة حتى غدا التواجد العسكري والميليشياوي لدول الجوار صارخا ومتحديا للنظام السياسي المسخ والهش وطنيا ، ماجعل دول الجوار تجد فرصتها التاريخية لتمارس النهش والتسليب الانتقامي من العراق الذي أرهبها طوال نصف قرن بقوة نظامه الدكتاتوري وسلاحه الفتاك واستعداده الدائم للحرب، مهما تعارضت الظروف ، وهو ماساهم بسرعة سقوطه المدوي عام 2003 .

       نستطيع القول أن سياسة ايران في العراق نجحت أكثر من السياسة الامريكية، فالامريكي يتعامل مع القوي على الأرض، بينما الايراني يصنع القوي على الأرض تحت أكثر من عنوان، تارة بولاءات طائفية عقائدية، وأخرى تحت غطاء اسلاموي،وثالثة في حسابات النفوذ والمواقع المهمة في العراق، حتى صارت المواقع الرئاسية والوزارية والأمنية بالدولة لاتمر دون ختم موافقة طهران التي زحفت حتى الخط الثاني والثالث من مواقع المسؤولية بالعراق .

    تفوقت سياسة ايران على امريكا بالعراق في سعيها لوجود نظام سياسي هش وضعيف ل”الدولة” والى جواره تشكيلات عقائدية مدنية وميليشياوية تمثل أذرع عسكرية لها، ومابين الأثنين تشتغل آليات اللادولة لتتوازن او تتفوق على الدولة ، وبهذا تستحكم بمراكز السلطة الفعالة ،المال والأمن والقضاء ، مستفيدة من الصناعة السياسية الامريكية لنظام سياسي عراقي مغترب وبلاحدود أو هوية مواطناتية عراقية .

      السلطة القوية تكتسب طاقة استمرارها من الشعب وبالقدر الذي توفره له من حقوق وحريات ورفاهية عيش وخدمات، وتفقد طاقتها على الاستمرار مع قسوة الواقع وتضخم المعيشة وتزايد الأزمات وسقوط الاقنعة الطائفية والعرقية ، كيف يكون الحال ونحن نتحدث عن حكومة هشة فاسدة وضعيفة مراكز سلطتها تخضع لتبعيات طائفية واستقطابات دولية !؟ نعم انكشفت حقائق السلوك السياسي لاحزاب الفساد ونهب ثروات البلاد حتى أصبح العراق مثالا عالميا للتخلف والفساد القياسي !؟ عندها استيقظ الشعب على احتجاجات عارمة تواصلت منذ عام 2011 وتوجت بثورة تشرين 2019 التي رفعت درجة الغضب والرفض لأحزاب السلطة وتمدد دول الجوار ، ولم تزل إرادة تشرين تمد جذورها في جميع أرجاء الوطن العراقي الذي صار يعلن صراحة بمقاطعة الانتخابات ورفض النظام السياسي إذا لم يُصلح من سلوكه ويخرج من بحر الفساد .


 


علاء البغداديّ

في أوّلِ ظهورٍ إعلاميّ له بعد الاحتلال الأمريكيّ عام 2003، سأله مراسل قناة العربيّة (وائل عصام) عن موقفه من التّواجد العسكريّ لـ(قوّات التّحالف) على الأراضي العراقيّة، أجاب ذلك الزّعيم الشّاب، الغريب عن المشهد الإعلاميّ والقياديّ، أجابه بكلّ هدوءٍ وخجلٍ بأنّه سيقاوم هذا التّواجد غير المشروع، لأنّه (احتلال)، وأنّه سيقاومه ثقافيّاً وعسكريّاً.

كان هذا هو المُفتَتَح والإستهلال الذي بدأه مقتدى الصّدر لكتاب (المقاومة) في عراق ما بعد 2003، والذي تَمّ رفضه من قبل الجميع، لأنّه لا يتناسب وضرورة المرحلة الدّيمقراطيّة التي جاءت بها سُرف الدّبّابات التّحرّريّة.

كان ذلك الزّعيم الشّاب يُغرّد خارج السّرب السّياسيّ العراقيّ عموماً، والشّيعيّ على وجه الخصوص، فأيّةِ مقاومةٍ هذه التي يتحدّث عنها منذ الأيّام الأولى لسقوط الحكم البعثيّ، وهذا ما طَرَحَه عليه مجموعة من أعضاء (مجلس الحكم) في زيارتهم الأولى له، وكانوا يحاولون إقناعه بالتّخلّي عن فكرة (المقاومة) وقد عَرَضوا عليه رئاسة مجلسهم سيء الصّيت والفعل، بل وعَرَضوا عليه زعامة العراق السّياسيّة، لكنّه رَفَضَ كُلّ تلك العروض، لأنّه يؤمن تمام الإيمان من خلال الأسس العَقَديّة والثّوابت التي يرتكز عليها بأنّ الاحتلال هو شَرّ مطلق ولا يتأتّى منه إلّا الخراب، فضلاً عن رؤيته الإستشرافيّة للمآلات التي سينتهي إليها العراق في ظلّ الاحتلال العسكريّ الأجنبيّ.

ومنذ ذلك الحين، أصبح مقتدى الصّدر – وتَيّاره الفَتي - هو مصدر القلق الحقّيقيّ للمشروع الأمريكيّ في العراق، لإدراكهم حقيقة البُعد الوطنيّ في شخصيّة هذا الزّعيم وتَيّاره، وأحقّيّته في الانتماء العراقيّ، فراحوا يبحثون عن أيّةِ مُبرّرات للقضاء عليه أو على الأقلّ تقويض دوره المُعَطِّل لمشروعهم.

أصدرَ الحاكم المَدنيّ الأمريكيّ في العراق قراراً بغلق جريدة (الحوزة)، الصّحيفة الرّسميّة النّاطقة باسم (التّيّار الصّدريّ) بسبب مقالٍ إفتتاحيّ شاركت بكتابته وكنت مسؤولاً عن نشره كوني كنت نائباً لرئيس تحرير الجريدة، حَمَلَ المقال عنوان (السّفيه بريمر)، وبهذا سقط قناعاً آخراً من أقنعة الدّيمقراطيّة الأمريكيّة خصوصاً فيما يتعلّق بحُريّة الإعلام، ومن هنا كانت الشّرارة لإندلاع المواجهات العسكريّة العَلنيّة بين (التّيّار الصّدريّ) والقوّات الأجنبيّة بقيادة الجيش الأمريكيّ.

كانت المقاومة الصّدريّة تمتلك كافّة الإشتراطات والمُبرّرات الشّرعيّة والإنسانيّة للفِعلِ المُقاوِم، لا سيّما بعد أن أصدر مجلس الأمن الدّوليّ قراره الذي وصف التّواجد العسكريّ الأجنبيّ في العراق بأنّه (احتلال)، لكن حتّى هذا لم يمنع البعض من أن يكونوا مَلَكيين أكثر من الملك، واستمرّوا في ممارسة (الإنبطاح) السّياسيّ أمام سرير الإحتلال الأمريكيّ الدّيمقراطيّ!

استمرّت المقاومة الصّدريّة العسكريّة ضدّ الإحتلال الأمريكيّ بأبهى صورها، فكانت واضحة القيادة والخطاب والفعل والأثر والتّأثير، مع التّأكيد على مطالبات الصّدر المُتكرّرة والمُتكثّرة بضرورة الإنسحاب الأمريكيّ أو جدولته كمرحلةٍ أولى، أيّ أنّه كان يُمارس المقاومة في شَقّيها العسكريّ والسّياسيّ حتّى الإعلان عن (الاتّفاقيّة الأمنيّة) المُخزية والتي كان (التّيّار الصّدريّ) أوّل وأشدّ المُعارضين لها.

تَكَبّد الجيش الأمريكيّ الخسائر الفادحة في العُدّةِ والعديد جَرّاء المعارك مع (التّيّار الصّدريّ) بإعتراف كِبار قادته ومن خلال وسائل الإعلام الأمريكيّة والأوربيّة، حتّى قالوا بأنّ الأشباح خَرَجت لقتالنا من قبور النّجف، لعدم إدراكهم بأنّ شباب المقاومة الصّدريّة كانوا يتربّصون لهم ليلاً في سراديب المقبرة، فضلاً عن العَمليّات النّوعيّة الدّقيقة التي قامت بها بعض مجاميع المقاومة، والتي أسفرت عن اقتحام العديد من المقرّات العسكريّة الأمريكيّة وخطف الكثير من الجنرالات والجنود الأمريكان، وبعض تلك العَمليّات كانت بعلم زعيم (التّيّار الصّدريّ) وبإشرافه شَخصيّاً.

مما تجدر الإشارة إليه هنا، هو أنّ كُلّ الفصائل والمجاميع التي تطلق على نفسها اليوم لقب (المقاومة) كانت تقاتل الاحتلال تحت قيادة مقتدى الصّدر وتَيّاره، بل وأنّ نسبة 90% من فصائل (الحشد الشّعبيّ) خَرَجَت من رَحِم (التّيّار الصّدريّ).

لذا، فإنّ أيّ حديثٍ عن مهادنة مقتدى الصّدر وتَيّاره للأمريكان، ما هو إلّا محض سُخرية وأضحوكة، فهو أوّل من دَشّن مفهوم المقاوَمة وكان مصداقه الأوضح وشاخصه الأبرز، إلّا أنّ الإشكاليّة التي لا يَتمكّن البعض من فَكّ مغاليقها، هو عراقيّة الهويّة الصّدريّة ووطنيّتها، لأنّ العراق ومصالحه هي البوصلة التي يتوجّه صوبها مقتدى الصّدر، فهو يُقاوم عسكريّاً متى تَطلّبت مصلحة العراق وشعبه، ويُقاوم سياسيّاً وثقافيّاً وفق المصلحة ذاتها، وبعبارةٍ أخرى أنّ المقاومة هي الإستراتيجيّة الثّابتة التي يعتمدها الصّدر، لكنّه يختلف في ممارسة التّكتيك من مرحلةٍ لأخرى.

مَن يعترض على مطالبة مقتدى الصّدر بضرورة التّعاطي مع الملفّ الأمريكيّ سياسيّاً وبشكلٍ عُقلائيّ، تحت ذريعة أنّ الصّدر تَخلّى عن مقاومة الأمريكان، هو واهم وموهوم، لأنّ أمريكا لا تخشى من الصّواريخ (العوراء) التي لا تعرف الوصول إلى أهدافها، بل تخشى ممن يسعى لإخراجها وفق السّياقات السيّاسيّة المُعتَمَدة دوليّاً.

فقبل أن تحاولوا إرشاد الصّدر وتَيّاره إلى الصّواب، حاولوا إرشاد صواريخكم لصواب أهدافها..



الجمهورية الحيوانية بين الدليل المضمر و مؤولات المنظور الروائي

توطئة:

لعل ما ذهب إليه جورج أورويل في مسافات و مضاعفات دلالات روايته (مزرعة الحيوان / ترجمة محمود عبد الغني ) كان بمثابة العلاقة المعادلة التي لا تكتمل إلا بتنوير المتابعة في تحول عناصر الواقع النواتي في مؤهلات الدال العاملي في النص ، إلى فئات خاصة من الفارق و الفوارق النوعية في مناظرات الاعتراف بمدى هيمنة العلاقة الدكتاتورية إزاء مواقع و بيانات الخاصية الدونية من النوع البشري ، لذا نجد الروائي راح يتعامل مع محاور و فئات روايته على أساس من طابع هزالة النوع الأدنى ، و كيفية تأثير و تغليب المستوى الأعلى من الفئة السلطوية الطاغية على مصادرة حقوق و حاجات الفرد المجتمعي و بأبخس مدى من سياقات القهر و النهب و التحقير و التقزيم إليه . و على نحو ما من دلالات المجتمع الحيواني كوسيلة صغرى و أدنى من المقايسة في غاية التمثيل السردي في الرواية ، وتبعا لهذا أخذت محاور العوامل الشخوصية في المجتمع تتحول إلى فواعل من الكفاءات المتمثلة بنموذج العنصر الحيواني و التي تحيا تحت خاصية من النوعية المهانة من قبل المرسل ( الفاعل المنفذ / مفعول و متلقي التفعيل ) إي من قبل جهات تحقيق الفعل التداولي للسلطة المتحكمة في مصير الأفراد و الفرد ، وهكذا وجدنا جميع كيانات الرواية التي هي من الفئة الحيوانية تمثيلا تحكمها علاقات إيجابية و سلبية مع جهة السيد جونز صاحب مزرعة القصر و زوجته ، ولكن تبقى ارتباطات هذه الزوجة مع حظائر الحيوان شبه مغيبة ،على العكس من مستوى علاقة زوجها السيد جونز ، فهو عادة ما يسيء المعاملة و التصرف مع ميعة تلك الحيوانات المكونة من مجموعة من الخنازير و الأبقار و الخراف و الخيول و الدجاج و الأوز و القطط .

ـ ضمنية العلاقة بين وحدات السرد الروائي .

و سنحاول في هذا الفرع المبحثي من دراستنا ، متابعة و تقديم و تحليل أهم المحاور الواردة في معرض وحدات ضمنية السرد الروائي في محددات من الفصول الأولى من النص ، حيث نكتشف بأن مادة الحكاية الروائية تتحدد في تمظهرات العلاقة السلبية للشخصية جونز إزاء رعية تلك الحظيرة المتكونة من الضمير الحيواني الجمعي في الخصائص و في خلاصة النوع و فاعلية مستوى التفكر و الوعي ما بين مواقع تلك العناصر ، فيما تبقى من جهة ما غاية في الأهمية المستويات و الأبعاد كـ ( التبئير ـ البنية الزمنية ـ الصيغة السردية ـ التفاعل النصي ) ضمن حدود فضاء خطي من الحكي ، كما تستمد العناصر الحيوانية في الحظيرة جملة سلوكياتها من فكرة واقع التمرد و العصيان و الثورة في وجه الطاغية صاحب المزرعة التابعة للقصر ، حيث نلاحظ أن حكاية الرواية تتلخص ، كما أخبرنا جورج أورويل بذلك على حد قوله في مقتطفات ما من ترجمة الرواية ( مزرعة الحيوان حكاية حيوانات تقدم هجاء ساخرا و نقدا للأنظمة الشمولية لسلطة ستالين حينذاك و انحرافاتها السياسية ) و على هذا الأساس وحده ، نعاين ذات يوم اتفقت جميع الحيوانات في المزرعة ، بعد أن دفعتها المبادىء السامية لدى العنصر العجوز (ميجر) إلى أن تقوم بالثورة ضد الشخصية جونز سيد المزرعة ، و الذي عادة ما يكون ثملا طوال اليوم : ( تفاصيل ـ ما أن أنطفأ نور الغرفة ، حتى صدرت عن بنايات المزرعة رفرفة الأجنحة ، تحولت في ما بعد إلى إلى ضجيج .. لقد ترددت خلال اليوم إشاعة أن ـ العجوز ميجر ـ رأى حلما غريبا ، في الليلة الماضية ، رغب في أن يتحدث فيه مع باقي الحيوانات . العجوز ميجر هو خنزير كان قد توج أيام شبابه ، بطلا بين أبناء جنسه / كان بالنسبة إلى الجميع الحكيم العجوز ، اتفقت جميع الحيوانات على أن تجتمع في الحظيرة ما أن يختفي السيد جونز . كان العجوز ميجر يحظى باحترام كبير إلى درجة أن الجميع كان مستعدا لتحمل السهر حتى يستمع إلى ما سيقوله . / ص13 ص14 الرواية ) .

1ـ جدل الرؤية و علاقة رؤية المعادل النصي :

ولعل من الأهمية بمكان معاينة الروابط الوحداتية في متن الحكاية ، لنجدها تتعاضد سويا في خطاب ثنائية الخطية الخطابية في النص ( الفاعل الخارجي = الفاعل الداخلي ) ورغم أن أحداث الرواية أكثر تركيزا و اختزالا في محاور مستوى الزمان الحيواني العاقل ، مما جعل من أفعال الرواية في وظيفة ( المعادل النصي ) أكثر مركزية إلى جهة محددات ( الراوي المستشرف ) فعلاقة هذا الراوي مع عناصر السرد أكثر استباقية من قيم الاسترجاع لدى العناصر النصية ، فيما تبقى جميع معاملاته إزاء أداة مسرود الخارج و الداخل أكثر تزامنية . و على أية حال تكشف لنا أحداث الرواية أجواء جدال المحاور فيها نحو عملية العصيان و التحرر من هيمنة صاحب المزرعة ، و التي تمثلت أخيرا بطرده من المزرعة : ( تفاصيل ـ العدو هو كل من يمشي على قدمين ، و الصديق هو من يمشي على أربع أو يطير ، لا تنسوا أيضا أن المعركة ذاتها لا ينبغي أن تغيرنا فنصبح مثل العدو ، وحتى عندما ننتصر عليه ، يجب أن نحتاط من رذائله ، لن يسكن الحيوان بيتا أبدا ، ولن ينام على سرير أو يرتدي ثيابا ، لن يشرب الخمر أو يدخن تبغا ، لن يلمس نقودا ، ولن يعمل في التجارة ، فكل عادات الأنسان هي عادات سيئة .. و الأهم من ذلك كله ، هو أن لا يستبد حيوان بحيوان آخر . / ص21 العجوز الحكيم ـ الوصايا السبع ـ الرواية ) .

2ـ المؤشرات النصية و مقاربة التأويل المرمز :

نعاين بأن حصيلة التحولات الدلالية في وحدات السرد الروائي ،غدت أكثر تأشيرا بمحفزات التأويل و الإيحاء و الإزاحة في المقاربة النصية المتكونة في معادلات موضوعة العنصر الحيواني العاقل في الرواية . الأمر الذي يدفعنا إلى فهم المؤشرات التعادلية و المعادلة في مستوى خطاب النص على النحو الخاص من التأويل و المؤول ، مما يجعلنا نفهم الخلاصة الكيفية في وضع تلك المحتملات في دلالة أفعال الحيوان الناطق في النص ، فنحن عندما نراجع مستوى خطاب العناصر الحيوانية في النص ، نجدها ضدا للإنسان و انحرافاته السلوكية إزاءها ، مما لا يوضح لنا هذا المستوى جانبا إحاديا من صورة الإنسان وحده في علاقته السيئة مع الحيوان ، و أنما يوضح لنا معاناة الحيوانات مع بعضها عندما يتولى نابليون الخنزير مهام قيادة المزرعة ، لذا نجده يمثل الصورة السلبية في مراحل سيادة الإنسان الطاغية على الحيوانات في الحظيرة ، وصولا إلى أنه صار يحمل السوط على أقرانه من الحيوانات و يحتسي الخمر و ينام على سرير السيد جونز الإنسان صاحب المزرعة سابقا ، و بالتالي يقدم أعز الحيوانات قربانا إلى الجزار عندما يتعرض هذا الحصان إلى حادث في أحدى ساقيه ، كما و توضح فكرة الرواية من جانب آخر مظلومية الشعوب من جراء حكامها و أحكامهم القاهرة ضد أفراد الشعوب المسكينة ، و بالتالي فهذه الفكرة لا تقدم لنا وحدها انجازا مثمرا ، ما لم يقدمها جورج أورويل على لسان تفاصيل خاصة و دالة و أكثر تركيزا في بؤرة مثال مظلومية الحيوان في واقع قدره الأليم ، و الذي هو بالنتيجة يشكل ذلك المعادل التأويلي لقضايا الإنسان الرازحة تحت بطش سياط الحاكم السياسي الظالم في صورته التأريخية و المعاصرة . فقد رأينا في أحداث رواية ( مزرعة الحيوان ) تلك المشاهد الحيوارية المتفرقة التي تعبر عن حالات الكفاح الحيوانية من أجل التقدم في إنشاء تقانة الطاحونة مثلا ، و تعديل مواقع الحظائر عبر تلك النسب الجيدة من صناعة الأنموذج المعماري المرموق في مخادع مآكل و مشارب و منامات الفئة الحيوانية الناطقة ، وصولا إلى تفاصيل متقدمة في تبادل الأغراض و بيع محاصيل المزرعة إلى أصحاب دكاكين البقالة ، ما جعل للحيوانات قيمة تحررية خاصة أخذت تصل في خبرها في كل أرجاء المزارع المجاورة لمزرعة الحيوان ، وذلك لخصوصية نظرتها الاستقلالية السيادية التامة لها و طردها لطاغوت الإنسان عنها ، فقد أبتدع لها الخنزير العجوز ميجر أغنية وطنية و لائحة وصايا دستورية خاصة بدولة الحيوان في هذه المزرعة تحديدا : ( تفاصيل ـ غير أنني اليوم ، سأغنيها أمامكم ، لقد تقدمت في العمر ، ذلك مؤكد ، وصوتي أصحب أجش ، لكنكم عندما تتمكنون من اللحن ، ستجدون أنفسكم فيها أفضل مني . عنوانها هو ـ حيوانات إنجلترا : ( حيوانات إنجلترا و إيرلندا .. حيوانات كل البلدان .. أصغوا إلى الأمل .. لقد وعدتم بعصر ذهبي .. الإنسان الظالم مصادر .. ستعرف حقولنا الخصب .. نحن فقط من سيطؤها .. لقد جاء يوم الخلاص .. ستختفي الحلقات من الأنوف .. ستختفي السروج من ظهورنا .. ستسقط السياط المجرمة .. الثروات ستتجاوز أحلامنا .. القمح و الشعير و التبن .. البرسيم و الجلبان و الشمندر .. سيكون لكم منذ اليوم . / ص21ص22 / أنشودة حيوانات إنجلترا ـ الرواية ) أستدعى هذا النشيد حماس الحيوانات في الحظيرة ، و كان قد أزداد قبولا و التصاقا في مشاعر الرفض لحاكمية البشر على أرض المزرعة ، أجل لقد تسلمته أذهان كل الفئات العاملة من الخنازير و الخيول و الأبقار و الحمائم في المزرعة بروحية عالية ، وعلى هذا النحو تقدم لنا الرواية أبشع وثيقة لإدانة كائنية الإنسان و إلى ذلك الغراب الذي كان يصاحب السيد جونز ، و الذي كان فيما مضى بمثابة المخبر الأمني الذي ينقل أخبار الحيوانات بطريقة الوشاية إلى صاحب المزرعة ، كان يدعى هذا الغراب بأسم ( موسى ) ومن هذا الأسم نعلم مقاصد التأليف لدى صاحب الرواية الناقمة على دين و شخص النبي موسى و التوراة فهو على حد تمثيل الرواية كان يجسد دورا قريبا من دور النبي موسى كليم الرب ، وهذا الأمر ما يوضح لنا حجم المعادلة و المقاربة بين ذلك الغراب و صورة النبي ، وهذا الأمر بحد ذاته يشكل إساءة كبيرة بحق الديانة اليهودية خاصة ، وذلك عندما يمثل دور الغراب في الرواية بفعل الوساطة ما بين الحيوانات و صاحب المزرعة جونز ، فيما يكون موضع هذا الأخير في الرواية بمثابة دلالة الرب . هذا ما فهمناه من وراء هذه الوظيفة في التسمية من قبل أورويل ، و إلا ما كانت ضرورة تسمية الغراب الحيواني المذموم عرفا بأسم موسى النبي عليه السلام . على أية حال يوافينا في الرواية خبر موت الحكيم الخنزير ، بعد عملية التحرير من الإنسان في المزرعة ، و بعد أن أصبحت الحيوانات من يدير شؤونها و شؤون المزرعة مع بعضها البعض . و سرعان ما فازت فئة الخنازير بأخذ زمام رئاسة المزرعة ، فيما برز الخنزير نابليون من بينها دكتاتورا فذا ، و قد نشبت العداوة و الكره في نفسه ضد زميله الخنزير سنوبول مما جعل الأخير يغدو طريدا خارج المزرعة بواسطة مجموعة من الكلاب الشرسة التي قام برعايتها نابليون منذ كانت صغارا ، لأجل هذا اليوم الذي تكون له كل الهيمنة و السيطرة من ذاته المتغطرسة على سكان حيوانات المزرعة .

ـ تعليق القراءة :

في الواقع أن دلالات رواية ( مزرعة الحيوان ) أخذت لذاتها تلك الدلالات السياسية و النفسية و الحسية و البؤروية الهامة ، و هو ما يجعلها من أشهر الروايات في تأريخ الأدب الغربي القديم و الحديث ، بالطبع تظل دوما علامة تهكمية نادرة إزاء مكابرة الأهواء و الطغيان لدى ساسة و زعماء الشعوب ، ولعل أبرز ما تمتاز به أدوات الرواية ، هو أسلوبها التمثيلي البارع في تجسيد عوالم من الطبقات المسحوقة من الشعوب الخانعة تحت سياط إرادة الطاغوت من أبناء جلدتها ذاتها ، و قد صور لنا الروائي جورج أورويل أبهى النموذج السردي و التمثيلي في محور ( الدليل المضمر ) الكامن في جوهر محاور ثريا عنونة مقالنا : الجمهورية الحيوانية بين الدليل المضمر و مؤولات منظور الظاهر الروائي .




  سعد العبيدي

قامت الحكومة بتشكيل لجنة عليا للتحقيق بجرائم الفساد الكبيرة وفي الأيام القليلة الماضية شرعت هذه اللجنة، مسندة بدعم حكومي قوي بحملة لتقويم الاعوجاج في ذمم المسؤولين، وخطت خطوة باتجاه تنفيذ أوامر قبض على موظفين بتهم التورط بقضايا فساد ذمم واستغلال نفوذ، وتبديد أموال الدولة، وهي خطوة وإن استهدفت الوسط من المستويات الوظيفية في الجهاز الحكومي، الا أنها خطوة مناسبة، لأنها ستعطي مصداقية للحكومة التي وعدت مثل سابقاتها باستهداف الفساد وإقامة الحد نافذاً على الفاسدين، ولأنها ستؤمن قدراً من الردع مقبولاً، إذ وعندما يدرك الموظف أي كان مستواه أن في نهاية النفق الذي دخله للفساد عتمة سجن وقصاص، وسمعة توصم سيئة، سيفكر قبل أن يضع يده ويتجاسر على أموال الدولة والشعب.، كما إن خطوة جريئة مثل هذه الخطوة، ستقلق المسؤولين الكبار وستدفعهم الى التفكير من أن العقاب قادم مهما طال الزمن، وقد تدفع البعض منهم الى الاتعاظ والتفكير أكثر من مرة قبل الاستمرار في اتباع النهج الفاسد ذاته لتدمير الدولة والمجتمع.

إنَّ خطوة مكافحة الفساد التي بدأت بتنفيذ أومر القبض ماهي الا صفحة أولى من معارك ستطول ضد الفساد وستكون شرسة دون أدنى شك، لأن معسكر الخصم من بعض المسؤولين السياسيين الفاسدين وبعض قادة الكتل والأحزاب الفاسدين يتخندقون الآن جيداً خلف سواتر اسمنتية رصينة جداً ويمتلكون أسلحة دفاعية قوية جداً، بينها المال والنفوذ الذي يمتد في جسم الدولة العراقية، وهم على هذا وبضوء ما يمتلكون من الأسلحة سوف لا يبقون مكتوفي الأيدي يتفرجون على تداعي صروح متوالية بطريقة قضم ستصل صروحهم لا محالة، الأمر الذي يتطلب من الحكومة واللجنة الإسراع أولاً في تقديم من تثبت عليه الإدانة من الملقى عليهم القبض الى المحاكم والتوصية بسرعة محاكمتهم وعرض النتائج على الرأي العام، كذلك الزحف التدريجي النبه في حقل ألغام الفاسدين الكبار واستهداف أحدهم بقوة وجرأة، عندها فقط ستتحطم دفاعات الآخرين، وعندها فقط يمكن الإعلان عن النجاح في خطوات مكافحة الفساد وإعلان الدولة العراقية نظيفة من الدرن والمياه الاسنة.

 


نميل في كثير من الأحيان إلى التلاعب بالمفاهيم، كمحاولة لتقليل قساوة الواقع، أو على الأقل حتى لا نتهم بالتشاؤم المفرَط. وفي العراق نكرر دائما كلمة "الدولة" مع إدراكنا بأن هذا الوصف حتى على مستوى المجاز يحتاج وقفةً وتأمل! ولذلك وطوال السنوات الماضية لم تغادر مفردة "بناء الدولة" برامج الحكومات ولا خطاب الطبقة السياسية، وعلى الرغم من ذلك لم نتلمس بعد ملامح مشروع حقيقي، لا للدولة ولا لبنائها.

في الآونة الأخيرة، باتت تترد عبارة "استعادة الدولة" باعتبارها المهمة الرئيسة لحكومة الكاظمي، وتبدو المغالطة الواضحة في هذا المفهوم؛ فدولتنا مفقودة من الأساس وليست مستلبة الإرادة، أولا، وقوى اللادولة هي الفاعل الأقوى في تحديد من يصل إلى سدة الحكم أو لا يصل.

يعبر مفهوم استعادة الدولة عن معنيين متناقضين: الأول يتضمنه إدراك الطبقة السياسية ويدور حول حماية مقراتها الحزبية التي تعرضت إلى الحرق والتجريف في المحافظات الوسطى والجنوبية بعد انطلاق تظاهرات أكتوبر، ومن ثم حديثها عن فرض القانون والنظام هو ليس لغاية فرض هيبة الدولة، وإنما لتأمين مناطق نفوذهم في مواسم الانتخابات التي باتت وجودها يختصر على قطاعات معينة من الجمهور يرتبط بها مصلحيا أكثر من ارتباطه بأيديولوجيتها وبرامجها السياسية، إن وجدت أصلا.

أما الإدراك الثاني لمفهوم استعادة الدولة، فهو مفهوم المواطن الذي يبحث عن دولة توفر له الأمن والأمان وتؤمن له سبيل العيش بكرامة، ويشعر فيها الأفراد بأنهم مواطنون من دون عناوين طائفية أو قومية تتعامل معهم أحزاب السلطة باعتبارهم أرقاما انتخابية. والمحور الرئيس في إدراك المواطن لمفهوم استعادة الدولة، هو حصر السلاح بيد الدولة، وأن يشعر بأن الدولة هي من تتكفل بحمايته من الجماعات المسلحة والخارجة عن القانون.

وبين الإدراكين المتناقضين، لا توجد ملامح واضحة لمشروع استعادة الدولة في حكومة الكاظمي. فأمامنا تسعة أشهر تفصل عن الموعد الذي حددته الحكومة للانتخابات المبكرة، ولا يمكن أن نتصور أي تغيير تحدثه الانتخابات من دون أن يكون ثمة ضبط للأوضاع الأمنية التي يجب توفرها لضمان التنافس العادل في الانتخابات. إذ كيف يمكن أن تتخيل المنافسة بين قوى تملك المال والسلاح وتحاول توظيفه للبقاء في السلطة، وبين تجمعات شبابية لا تملك غير لافتات ترفع عليها شعارات تطالب بإصلاح النظام وتتحشد في الشوارع لإيصال صوتها المطالب بالحقوق والحريات في نظام يدعي أنه ديمقراطي.

معضلة الكاظمي وفريقه الحكومي تكمن في محدودية الخيارات المتاحة، فهي تنحصر في خيارين لا ثالث لهما: إما ترسيخ ركائز استعادة الدولة من الجماعات والأحزاب والشخصيات التي تمارس السياسة بمنطق المافيات، ورسخت ممارسات وسلوكيات قائمة على مصادرة الدولة ومؤسساتها وحصرها بإرادة زعامات الطبقة السياسية وحاشيتها؛ أو الإبقاء على الوضع الراهن من دون تغيير على مستوى نمط إدارة الدولة ومؤسساتها، ولكن تكون المواجهة على مستوى الإعلام والتصعيد في خطابات التهديد والوعيد والاستعراضات في المواقف ما بين الحكومة وقوى اللادولة التي تفرض سيطرتها على الواقع السياسي والاقتصادي بقوة السلاح الخارج عن سيطرة الدولة.

ومن خلال تقييم حكومة الكاظمي منذ منحها الثقة لحد الآن، يمكن القول إنها تتبنى الخيار الثاني الذي يسعى لإبقاء الوضع على ما هو عليه وتكون المواجهة بالتصعيد الإعلامي. ويبدو أن هذه اللعبة ترضي الفريق الحكومي وقوى اللادولة، لأنها بالنتيجة لن يكون هنالك طرف خاسر وآخر رابح.

وبكل صراحة معركة استعادة الدولة أكبر حجما من قدرات الكاظمي وفريقه الحكومي، إذ أن تراكمات الفشل وسوء الإدارة والفساد قد أنتجت مأزقا سياسيا يهدد الدولة وكيانها وينعكس في توسع طبقة سياسية تسيّرها شهوة النفوذ والوجاهة، وتعتاش بطريقة طفيلية على تقاسم موارد الاقتصاد الريعي. 

بيد أن الخطوات الصحيحة التي تعيد الاعتبار للدولة ولمؤسساتها ليس بالمهمة المستحيلة، لكنها تحتاج توفر عاملين أساسيين: الأول، التعاطي مع الأحداث السياسية وفق رؤية نموذج القائد الذي يسعى نحو بناء الدولة، وليس السياسي الذي يبحث عن مكاسب لترسيخ بقائه في السلطة. أما الثاني فهو الركون إلى مطالب الجمهور والرهان على استعادة ثقته من خلال تحقيق المنجز السياسي والاقتصادي والخدمي الذي يكون ملموسا لدى المواطن وليس الجولات واللقاءات الاستعراضية في الإعلام.

إذا أسلمنا بأن لدينا دولة ولكنها مخطوفة من قبل القوى والجماعات وأصحاب النفوذ السياسي والعسكري، فإن استعادتها تتم من خلال طريقين لا ثالث لهما: الأمن والاقتصاد. فالأمن في العراق تتنازعه الجماعات الموازية للدولة، ولم يعد حكرا من وظائف ومهام مؤسسات الدولة. ومعادلة الأمن في العراق خطيرة جدا، فكلما بقي بوضعه الهش الذي يعبر فيه عن شلل النظام السياسي وفقدان لسيادة الدولة ومركزيتها وعجزها، يكون بيئة حاضنة وخصبة لقوى اللادولة في إثبات قوتها وفاعليتها وعلوّها على الدولة ومؤسساتها الأمنية. والخطورة الأكبر على النظام السياسي طبيعة الإدارة الهجينة للمؤسسات الأمنية التي تتقاسم قوى سياسية تملك مليشيات وعناوين عسكرية رسمية. ومن ثم، لا يمكن أن تتمتع أي دعوة لاستعادة الدولة بمشروعية والثقة لدى المواطن ما لم يكن هناك مشروع حكومي لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية وتشكيلاتها.

أما الطريق الثاني لاستعادة الدولة فيجب أن يكون عن طريق الاقتصاد، فالاقتصاد الريعي في بلد تصدر قوائم البلدان الفاشلة بالتأكيد لن يكون اقتصادا حقيقا يقوم على أساس إدارة الموارد وفق نظام اقتصادي حقيقي، بل هو اقتصاد تتنازع عليه وتتقاسمه مافيات مرتبطة بأحزاب سياسية. وإذا لم تكن هناك خطوات حاسمة لفك الارتباط بين هيمنة المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب السياسية على موارد الدولة ومنافذها الاقتصادية، فالنتيجة تكون تصريحات وخطابات الحكومة للتسويق الإعلامي وليس خطوات ضمن رؤية ومشروع لاستعادة الدولة.

الدولة أولا وأخيرا تملك جميع المقومات والمؤهلات التي يمكنها من خلالها استعادة هيبتها وسيادتها، ولكن ذلك لن يتم من دون إرادة قادتها، ومن ثم تخاذل من يتصدى للقيادة والحكم هو السبب الرئيس في ضعف الدولة وهشاشتها. والدولة تكون قوية بعلاقتها الوثيقة مع مواطنيها، وتكون فاشلة عندما تمسي محكومة بالصفقات والتوافقات بين زعماء الطبقة السياسية.


الشيخ صادق الحسناوي 
تكتب بيروت تاريخها على جدرانها وتحكيه ازقتها وحاراتها ،تحكي قصة تحول كبير لبلد صغير في مساحته خطير في موقعه وموقفه ومن ينطلق من بيروت باتجاه بنت جبيل سالكا الطريق الذي قطعته دبابات الاحتلال الصهيوني في ١٩٨٢ حتى وصولها الى بيروت سيقرأ على هذا الطريق انقلاب التاريخ وتحول مساراته ، كانت تلك (الغزوة ) مغامرة لن تتكرر ولن يحلم يحلم الصهاينة بتكرارها اطلاقا ، في مارون الراس حيث الحد الفاصل بين فلسطين المحتلة وجنوب لبنان لاتجرؤ دوريات الصهاينة ان تقترب من الحد الفاصل ولايفكر احدهم ان يقطف بعض الثمار المتدلية على الاسلاك الشائكة الفاصلة بين جنوب لبنان وحدود العدو ، الرجال الذين يحفرون الخنادق والممرات وسط الجبال ويشقون طرقهم بين الصخور لايمكن ان تهزمهم الميركافا ولا ال f16
بين الجبال وممراتها تجد آثار المقاومة وذكرياتها ، هنا كان السيد عباس الموسوي (قدس سره ) بعمامته السوداء وجبته وقربه الراديو ، تنظر اليه كانك تجالسه وتستمع اليه ! الخنادق تحكي قصة ماجرى وماسيجري وفي مارون الراس تمام الحكاية حيث تنتصر المقاومة في ملحمتها الاسطورية وتزيح العدو نهائيا من لبنان وهي تظهر كالاشباح من تحت الصخور ومن وسط الجبال ! اسطورة حية لكن شواهدها لا تكذب ولاتشهد زورا وتثبت انه الواقع الذي يشبه الاساطير
وانا اقف على اعلى مكان في مارون الراس قرب تمثال يشير الى العدو باصبعه ادركت البون الشاسع بين الحكايات والافعال ، ادركت ان روحانية المسجد ورمزية العمامة وقيمة الشهادة صنعت من هؤلاء الذين كنا نسميهم (النستلة )و(الچكليت)جبالا تندك لصلابتهم رواسي الجبال واننا في العراق( باستثناء من قاوم الاحتلال)، (النستلة والچكليت )الذي يذوب امام اول ايماءة من سفارة الاحتلال او سفيراته!
وعندما يحدثك المقاومون لا يتحدثون عن انفسهم ، يتكلمون عن رموزهم وعن زملاءهم ، هنا خطب السيد موسى الصدر ، وهنا وقف السيد عباس ، كان الشيخ راغب حرب ينطلق من هنا وهناك وفي هذا المسجد في بيروت كان السيد محمد حسين فضل الله يزرع نبتة الثورة وروح المقاومة ، في هذا المكان (مليتة ) كانت مقبرة الميركافا وساحة المعركة التي تحولت لاحقا الى متحف ، وفي بيروت يحدثك بفخر سكان الضاحية عن السيد حسن الذي يفخر انه اب لشهيد من المقاومة اللبنانية ناله مانال اي اب فقد ولده في معارك المقاومة ، قال لي استاذ جامعي انه علماني الفكر ولكن المقاومة تجري في عروقي فالتخلي عنها تخلي عن كبرياء الوطن وكرامته ، قبل المقاومة كان دخول بيروت نزهة يقوم بها الصهاينة متى ارادوا وبعد المقاومة تغيرت المعادلة وتعلم اللبنانيون ان يعزفوا على الصخر سمفونية البطولة والانتصار
هذه بيروت التي عرفت ، لا ارى بين عينيها الا اصرارا على الحياة وروحا تنمو كل يوم فتكبر ثمارها حتى باتت حجر عثرة امام مشروع الشرق الاوسط الكبير وصفقة القرن وبيع فلسطين ، لا ترحيب بمشاريع الاضطهاد والاستعباد ولا رضوخ للاصوات الشاذة وعبيد التطبيع فبيروت ليست انثى عبرية ،انها اليوم رمز الكبرياء وعنفوان المقاومة ولن تسدل عينيها على اسى او لوعة بعدما لمع فيهما بيرق الانتصار ٠



كتب السياسي ورجل الأعمال الروسي قسطنطين بوروفوي، من لوس أنجلوس، في "موسكوفسكي كومسوموليتس"، حول مغالطات الديمقراطيين وإخفاقاتهم قياسا بترامب.

وجاء في المقال: الرسالة المركزية لوسائل الإعلام التي تدعم الحزب الديمقراطي، اليوم، هي الحديث عن فرص بايدن الجيدة في الانتخابات. فـ "استطلاعات" وسائل الإعلام الديمقراطية، تعطي الأفضلية لبايدن بنسبة تصل إلى 10-13%.

ذلك، على الرغم من أن الخبراء الموضوعيين الجادين اليوم يعطون ترامب أفضلية بنسبة (91 %)، ونسبة الرهان على نجاح ترامب، قياسا بمنافسة، عند 10: 1.

الرئيس المقبل للولايات المتحد، سيكون دونالد ترامب. ولن يخسر الحزب الديمقراطي مجلس الشيوخ فقط، بل وسوف يخسر على الأرجح مجلس النواب في الكونغرس.

فما الذي حدث في الولايات المتحدة لدرجة أن الوضع لأول مرة منذ عقود أصبح محسوما إلى هذا الحد؟

يراهن الحزب الديمقراطي على سكان أمريكا من اللاتينيين والسود. وللمرة الأولى، كان هناك اقتراح "بتعويض السكان السود في الولايات المتحدة عن قرون من العبودية" وقرون من "تفوق البيض".

هذا يعني 14-18 تريليون دولار، أي حوالي ثلث مليون دولار لكل مواطن أمريكي أسود. وعلى الرغم من حقيقة أن معظم السكان السود القادرين على العمل في الولايات المتحدة يعيشون اليوم على حساب برامج المساعدة الحكومية، فالاقتراح يعني تغطية السكان السود بالكامل بهذه البرامج. وقد أظهرت أعمال التخريب الأخيرة ما سيحدث في هذه الحالة في "الحياة العامة".

لقد أصاب الحزب الديمقراطي سكان الولايات المتحدة بأفعاله بالرعب. فالناخب الأمريكي يدرك جيداً أن التعويضات التي يخطط لها الديمقراطيون لا يمكن دفعها إلا من جيبه الخاص.

وفي الوقت نفسه، يسمح تقويم أفعال ترامب، موضوعيا، للحزب الجمهوري بالتطلع إلى المستقبل بتفاؤل. فالاقتصاد الأمريكي، على الرغم من مقاومة الديمقراطيين، يزدهر؛ وسوف تتم العودة إلى الحد الأدنى لمعدل البطالة المسجل قبل الحجر الصحي؛ و عملية استعادة الإنتاج في الولايات المتحدة مستمرة؛ والمفاوضات بشأن الرسوم الجمركية مع الصين أكثر من ناجحة؛ وفي ظل ترامب، أصبحت الولايات المتحدة دولة مصدرة للطاقة؛ ولم يحدث شقاق مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، كما روج، بل العكس صحيح؛ وهناك العديد من انتصارات ترامب الصغيرة والكبيرة.

الناخب الأمريكي، ليس أحمق. يعجبه مثل هذا الرئيس.

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب



تحت العنوان أعلاه، كتبت صوفيا ساتشيفكو، في "سفوبودنايا بريسا"، حول موقف أوروبا وتركيا المنتظر من الضغوط الأمريكية التي تضر بمصالحهما.
وجاء في المقال: أعلن وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، الأربعاء، أن الولايات المتحدة تعتزم فرض عقوبات إضافية على المشروعين الروسيين لأنابيب الغاز، "السيل الشمالي- 2" والفرع الثاني من "السيل التركي". وفي الوقت نفسه، وجه، عمليا، إنذارا نهائيا للشركات المشاركة في تنفيذهما، فقال، مهددا، خلال المؤتمر الصحفي: "توقفوا عن العمل فورا، وإلا فإنكم تخاطرون بعواقب غير سارة".

وفي الصدد، التقت "سفوبودنايا بريسا" الخبير في الصندوق القومي لأمن الطاقة، المحاضر في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية،ستانيسلاف ميتراخوفيتش، فأكد أن لا جديد في الإجراءات الأمريكية، فالقانون معتمد منذ عدة سنوات، وبومبيو ذكّر فقط بإمكانية تطبيقه. كما أن الجزء تحت الماء من السيل التركي أُنجز بناؤه، والآن يتم بناء امتداده البري في بلغاريا والمجر.

وقال: من غير المحتمل أن توقفه العقوبات الأمريكية. أما إذا كان الحديث يدور عن بناء فرع جديد تحت الماء، فهذا ممكن.

وأما "السيل الشمالي-2" فقد دخل مرحلته النهائية.


إنما السؤال الآن عما إذا كانت أوروبا سوف تنحني أم تقاوم. إذا انحنت، فسوف تُظهر أن الأمريكيين يتخذون قرارات بدلا عنها، ويقررون مع من يمكنها التجارة ومع من لا يمكنها ذلك. هذا مهم استراتيجيا لأوروبا، لأن الأمريكيين في هذه الحالة هم من سيقرر تجارة أوروبا مع الصين. لا أعرف إلى أي مدى سوف يعجب هذا الوضع أوروبا.


لا أعتقد بأن أوروبا سوف تنصاع تماما. فروسيا ليست إيران، حيث يمكن حظر التجارة تماما معها. ولا يتعلق الأمر فقط بـ"السيل الشمالي-2"، إنما باستقلالية أوروبا في العلاقات الدولية.

هل يمكن توقع مفاجآت من تركيا؟

علاقاتنا، متعددة الأوجه. فمن ناحية، نتاجر معها كثيرا، ومن ناحية أخرى، هناك مواجهة مرتبطة بالسياسة في الشرق الأوسط، حول سوريا وليبيا ومشاكل أخرى يمكن نظريا أن تنعكس على السيل التركي ومشاريع أخرى، مثل محطة الطاقة النووية. هنا، نحن في تبعية لهم، لكنهم أيضا لا يستطيعون تحمل مواجهة واسعة النطاق مع روسيا، لأنها ستكون مؤلمة، من فقدان السياح والطاقة إلى المشاكل العسكرية.

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب




















ظاهر صالح الخرســـان 
كالعادة بإسلوب مخابراتي فاجأ الجميع بمفاوضاته بعيدا عن جعجعة الاعلام وسكوته المريب نجح الكاظمي بتشكيل فريقه الحكومي وكابينته الوزارية  في حين كان اقرانه السابقين الذين تمت الاطاحة بهم مبكرا  يفتقدون للمناورة والمباغتة وانما وضعوا رقابهم على مقصلة الساحات التي لا رأس لها واجسادهم في ثلاجة "الاعلام " الظاهرة الصوتية الاعلى"
حزم الكاظمي حقائبه ووصل الى قصر السلام بترحيب امريكي / ايراني وخليجي واممي .
ما يملكه الكاظمي من ملفات على الطاولة قد تكون ظاهرة للعيان وانما يمتلك ملفات ما تحت الطاولة مما جعله صاحب اليد التي لا يتم لويها في الوقت الحاضر 
امام الكاظمي ملف الصراع الامريكي / الايراني المؤجل ما بعد كورونا وازمة جائحة كارونا وملفات كردستان وانخفاظ اسعار النفط  وموضوع حصر السلاح ...وغيرها، كأستمرار تهديدات كتائب حزب الله المستمر كمشكلة اتهام الكاظمي بضلوعه المخابراتي لتقديم المساعدة  لإغتيال سليماني والمهندس.
اما على الصعيد الامني الابرز هو عودة هجمات داعش الارهــابية مستغلة  السكوت الامريكي وايقاف الغطاء الجوي الامريكي في صلاح الدين وديالى وكربلاء والموصل اظهر التنظيم قوة جدية قادرة على عودة السيناريو القديم بمفاجئة الجميع وارتفاع نسبة التخوف
امريكا بدأت ظاهريا بدعمه في حين ايران ارسلت إشاراتها من خلال الفتح  ان ترحب بالتعاون الامريكي مع الحكومة الجديدة وهذه انتقالة سياسية / عقائدية ، كبيرة يتضح من خلالها رغبة الإطلاعات الايرانية في اتخاذ هذه المواقف بعيدا عن الحرس الثوري الذي سلم الملف السياسي منحسرا بيد الاطلاعات
يبدو ان الكاظمي أخذ بفك مغالق الملفات السياسية الاحتجاجية بالوقت نفسه بإعتباره الطاولة التي اجتمع عليها الطرفين الايراني / الامريكي
وبهذا اختفى مفهوم المعارضة البرلمانية ولم يبقى الا برلمانا خضع رغبة وكرها لسيناريو سياسي جديد قد يكون الممهد لإستلاب السلطة من الاسلام السياسي 




















ظاهر صالح الخرســــان
اجمع معظم علماء الاجتماع على ان الانسان كائن ثقافي متدين بالطبع ،بسبب مقدرته على النطق والتفكير وتطوير افكاره الثقافية والروحية
فيما اوضح علماء الانثروبولوجيا الى ان الانسان ميّل بغريزته الى ان يكون صاحب ديانة او معتقد روحي وهذا ما يؤكده الفيلسوف الروماني (شيشرون) إنه : "ليس من أمة مهما توغلت في التوحش، إلا ولها إله تعبده حتى ولو جهلت من تعبده, إذ قد توجد مدن لا بيوت فيها ولا حصون لها، ولكن ليس هناك من مدينة بدون بيوت للعبادة "
لا تزال تؤرق إشكالية الدين في المجتمع الحديث كل المجتمعات اليوم، بما فيها تلك التي اعتقدت أنها أنجزت الحداثة والعلمنة على صعيدها الداخلي
ان العلمانية تدرك جيدا ان الفكر الاسلامي الاصيل ينتمي الى حضارة (المقدس والايمان المطلق
فنجد ان الصراع قد احتدم طوال القرنين بين العلمانية التي تنتمي الى حضارة المدنس والنسبية والمادية من جانب والثقافة الاسلامية المتشبثة بمقدساتها ومرتكزاتها من جانب آخر
وبما ان العلمانية متشبعة بالفكر الغربي الى حد الثمالة وتعمل على مسك زمام المبادرة في النهضة على غرار النهضات الغربية الا انها وقعت في مأزق التصادم الفكري والثقافي من جهة والانتماء الوطني القومي من جهة فجاءت معظم قراءاتها الى المنهج الاسلامي قراءة خارطة وملفقة ومزورة او قراءة سوقية الالفاظ دون ضوابط اخلاقية او انسانية في كثير من الاحيان
وانها تخترق المجتمع كونها منظومة مستوردة وغير متأصلة او متجذرة في التربة الاجتماعية لذا فإنها لم تؤثر في الجماهير فهي منحصرة في طبقة معينة (النخب التي تدّعي الثقافة المخصصة) وهذه بحد ذاتها ليست نقطة ايجابية لدعاتها
لأننا نجد التناقض الواضح فيما بينهم وكذلك بين النخبوي وسلوكه واختلاف مراجعهم الفكرية والتيارات المدنية ما بين اليسار واليمين
ليست العولمة مجرد تهديد بالسيطرة على الدولة وقرارها وسياستها والتحكم بالاقتصاد من خلال التنافس على الأسواق إن لها أهدافاً ونتائج موصولة بذلك ومبينة عليه تصل إلى أبعد من ذلك بكثير، وهي تطال ثقافات الشعوب وهويّاتها القومية والوطنية وتهدد مصالحها وخصوصياتها في الصميم وترمي إلى تعميم أنموذج السلوك وأنماط العيش وفرض منظومات من القيم وطرائق التفكير والتدبّر والتدبير وتكوين رؤى وأهداف تعمل في خدمتها ومن ثمة فهي تحمل ثقافة تغزو بها ثقافات ومجتمعات أخرى وتؤدي إلى تخريب معتقدات وقيم وإحلال قيم أخرى محلها فضلاً عن كونها لا ترتبط بخصوصيات الأمم وثقافاتها
البير كامي من ابرز الذين نظروا لموضوع التمرد وتزييف القيمة الحقيقية للانسان
‎حيث كرّس لهذا الموضوع كتابا كبيرا بإسم "الانســان المتمرد" انكر التاريخ بحجة الرجوع للطبيعة وتزييف التقدم بإسم القضاء على الاستعباد "الوهمي" والدفاع عن التحرر
‎ما يهمنا من خلال تنظيره لهذا الموضوع انه يرى في عصرنا هذا لم يَعُد التمرد في رأيه تمرُّدَ العبد على سيده ولا تمرُّدَ الفقير على الغني، وإنما أصبح تمردًا ميتافيزيقيًّا، يعني تمرد الإنسان على وضعه وموقفه الإنساني ذاته فالتمرد الميتافيزيقي هو احتجاج على أوضاع الإنسان وعلاقته بالسماء وبمقدساته وهو تأكيد لفردانية الإنسان وإنكار للأخلاقية، وهو سعي إلى تأكيد الذات إزاء عوامل اليأس اننا نواجه جيل هجين يعتنق العلمانية (الهمجية) بردة فعل ولعوامل كثيرة
هذا الجيل لا يقف عند قيم اجتماعية ولا ضوابط دينية
بل يرى ان خلاصه بالتحرر المبتذل وعدم الاعتراض عليه بكل ما يفعله من لا اخلاقيات وسط المجتمع بتصور عبثي ساذج وطفولي ومبني على أوهام مراهقة
فالحريّة الحقيقيّة هي الحرية المقيّدة بقيود إنسانيّة وأخلاقيّةٍ رفيعة  فلا ينبغي لبريقها الأخّاذ وتوق المحرومين إليها أن يحملنا ، على المطالبة بنزع تلك القيود عنها
فالحريّة قيمةٌ إنسانيّة وأخلاقيّة سامية  متى أضرّت بحياة الإنسان وبحقوقه الإنسانيّة ، انقلبت إلى ضدّها ، فلا تعود حريّة  بل شيءٌ آخر منتج للعبوديّة ، للديكتاتوريّة  للفساد  للإرهاب  للعبث  للفوضى





محمود الجيّاشي

تحتم عليّ الضرورة المنهجية أن أشير في مستهل هذا المقال إلى إني لست بصدد بحث مشكلة ڤيروس كورونا من الناحية الطبية والعلمية .. فإن هذه الحيثية موكولة جملة وتفصيلاً لأهل الاختصاص في هذا المجال .. والقرار الطبي والعلمي بهذا الخصوص سواء في التشخيص أم العلاج منجّز علينا جميعاً .. لكني أحاول أن أتناول هذا الموضوع من زاوية أخرى بما ينسجم مع حيثية المعرفة الدينية .
علماً إن اختيار العنوان المذكور لايعود الى حيثيات علمية مجردة يفرضها منهج البحث العلمي الجادّ فقط .. وإنما جاء أيضاً نتيجة ارتباط عميق ومثير بحياتي الايمانية  الخاصة .. وتديّني الشخصي .
منذ سنين طويلة استوقفتني حالات خاصة ومشاهد مذهلة في قصص القرآن لم أكن أجد لها فهماً متكاملاً أو إطاراً خاصاً يحدد تفاصيل وغايات المشهد الذي يرسمه الوحي الالهي في سرد القصص القرآني الذي جاء بصياغات مختلفة وأساليب متعددة حتى في القصة الواحدة ...
الشئ الذي لفت انتباهي دائماً .. وأثار دهشتي هو غرابة النتائج المترتبة على تفاصيل وأحداث القصص الالهي .. فكثيراً ما أجد أن المقدمات التي ابتدأت بها القصة لاتشبه - لامن قريب ولامن بعيد - النتائج النهائية المترتبة عليها !
بعبارة فنية هناك صعوبة بالغة في التكهّن بأحداث ( السيناريو ) الالهي وتعقيد مذهل في ( حبكة ) الدراما الالهية وصولاً الى مشاهدها الاخيرة .. وبعد عدة تجارب شخصية في حياتي وجدت أن هناك نوعين من الحسابات يتنافسان في صياغة المشاهد التي تكوّن بترتيبها حياة الانسان والمجتمع عموماً .
الاول : هو الحسابات الالهية أو ماأطلقت عليه لاحقاً ( خطة الله ).

الثاني : هو حسابات الانسان وطرز تفكيره الذي يحاول من خلاله أن يدير مسيرة حياته .  وأطلقت عليه ( خطة الانسان ). 
وكنتيجة استباقية للبحث وجدت أن خطة الله هي الحاكمة والمسيطرة على جميع حوادث الكون سواء كانت اختيارية كأفعال الانسان أم قهرية كالاحراق بالنسبة الى النار .. وحسب تعبير القرآن أن ( الغلبة ) دائماً في صالح الخطة الالهية .. بالرغم من أن الانسان يفكر ويخطط وله حساباته الخاصة التي لاتخرج عن إرادته واختياره لكن نتيجة خطة الانسان سوف تصب في صالح الخطة الالهية حتى لو كانت خطة الانسان حمقاء وفاشلة .. ومما يثير الحيرة والدهشة أن خطط الانسان الفاشلة سوف يبوء الانسان وحده بنتيجتها السيئة بالرغم من أنها تخدم سلطان الخطة الالهية ! كل ذلك يحدث مع حفظ أختيار الانسان وحرية ارادته !
بالطبع ادرك تماماً أن ثنائية خطة الله وخطة الانسان بدرجة من التعقيد والصعوبة المعرفية التي تحتاج الى مثال مباشر وعملي وواقعي أو تجربة شخصية في ميدان الحياة  لكي تتضح بعض معالمها ونستطيع الى حدّ ما الامساك ببعض خيوطها !
لنأخذ لذلك بعض الامثلة القرآنية التي تقرّب لنا صورة الغلبة الالهية وخطة الله التي تسوق جميع حوادث الكون الى صالح سلطان الحكمة الالهية .. ولعل المثال الابرز لذلك هو ماقصّه القرآن في سورة يوسف ( ع ) التي تعتبر من أكثر القصص القرآني تعقيداً في الدراما وتداخل المشاهد والمواقف والاحداث. ولنأخذ المشاهد الرئيسية فيها كما يعرضها القرآن .

1. إن أخوة يوسف كادوا له وخططوا لتصفيته وقتله (( أقتلوا يوسف أو أطرحوه أرضاً )) ثم قال أحدهم : أننا نرميه في غيابة الجبّ تلتقطه بعض السيارة ! وبدءوا بتنفيذ هذه الخطة فعلاً وتمّ رمي أخيهم النبي ابن الانبياء في غيابة الجبّ !!
إن هذا الفعل كان في نظر أخوة يوسف مؤدياً الى هلاكه أو إبعاده والتخلص منه حسب ( خطة الانسان ) ! لكنه حسب ( خطة الله ) وحسابات الحكمة الالهية ليس إلا خطوة نحو الكمال والنجاة ليوسف .. أي عكس مايريدون !!

2. جاءت سيّارة فأرسلوا واردهم وقال لهم : يابشرى هذا غلام ! فأخذته القافلة وشروه بثمن بخس دراهم معدودة !! وحسب ( خطة الانسان ) فإن يوسف أصبح رقّاً مملوكاً ضعيفاً .. وحسب ( خطة الله ) ليس ذلك إلاّ خطوة ثانية نحو الكمال والنصر !!
3. إنه بسبب ذلك وصل الى بيت العزيز ثم واجهه ابتلاء جديد من أمرأة العزيز التي راودته عن نفسه .. فكادت له وخططت للايقاع به .. ونجى يوسف من هذا الامتحان العظيم !
4. إن زليخا كادت له مكيدة أخرى أوصلته الى السجن .. وظنت بحساباتها ( خطة الانسان ) أنها ستقضي عليه وتتخلص منه .. لكن حسب ( خطة الله ) هذه خطوة جديدة نحو الكمال والنجاة والنصر ! لأنه سيلتقي بشخصين يقصّان عليه رؤيتهما التي ستكون سبباً لوصوله الى فرعون مصر الذي رأى بدوره رؤيا عجز المؤولون عن تفسيرها .. فأوصله السجن الى ديوان الملك والعزة !!!
إن جميع هذه الاحداث والمكائد كانت بنظر اصحابها وبحسابات ( خطة الانسان ) تؤدي الى هلاك يوسف والتخلص منه ! لكنها في ( خطة الله ) وحسابات المعادلة الالهية كانت أسباباً لوصول يوسف الى عرش الملك وديوان السلطة العليا !المدهش أن نفس الاسباب والافعال التي صدرت من أعداء يوسف لغرض إهلاكه والقضاء عليه .. نفس هذه الاسباب جعلها الله سبحانه سبباً لرفعته وعزّته ونجاته ! والذين قاموا بها باؤوا بأثمها بالرغم من أنها تصب في صالح الحكمة الالهية والارادة الربانية .
ولو قارنّا بين بداية القصة وبين نهايتها لرأينا شيئاً عجيباً لايمكن أن ندركه بحساباتنا القاصرة .. وهو أن صبيّاً رماه أخوته في البئر .. وأخذته السيارة لتبيعه رقّاً .. كيف يكون في نهاية المطاف ملكاً على العرش ؟!! إن المقدمات التي حصلت له  لاتشبه بأي حال النتيجة التي وصلها .. وهذا ماأعبر عنه بالخطة الالهية .. أو الغلبة الالهية على حوادث الكون . .. ومن هنا ورد في بداية سورة يوسف قوله تعالى (( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون )).

لننتقل الى مثال قرآني آخر يجسّد مضامين ( خطة الله ) وهو من القصص القرآنية المشهورة .. إنها قصة النبي موسى ( ع ) مع العبد الصالح الذي آتاه الله رحمة وعلّمه من لدنه علماً .. المذكورة في سورة الكهف .. يتكون السيناريو العام لهذه القصة من ثلاثة مشاهد للخطة الالهية التي تجسّد بظاهرها مضموناً منافياً لخطة الانسان ومستوى تفكيره ! ولولا أن القرآن قد كشف السيناريو الحقيقي لهذه القصة لبقيت لغزاً معقداً ومحيراً لمجموعة من المواقف والاعمال الغريبة التي يقوم بها إنسان أمام إنسان آخر !
ف ( خرْق سفينة المساكين  ) في وسط البحر  كان عملاً خطيراً مهلكاً في ظاهره حسب خطة الانسان ومستوى تفكيره .. لكنه حسب خطة الله كان قمة النجاة والنجاح !!
و ( قتل الغلام ) كان جريمة لاتغتفر حسب خطة الانسان ومستوى تفكيره .. لكنه كان قمة الرحمة حسب خطة الله !
و ( إقامة الجدار  ) بدون أخذ أجر عليه  مع الحاجة الملحة للمال كان عملاً عبثياً حسب خطة الانسان .. لكنه حسب خطة الله كان قمة الوفاء للأب الصالح لليتيمين وحفظ كنزهما !!
ومن المثير أن خطة الله تحيطها سرّية تامة بالرغم  من أنها تنفذ بأدوات بشرية ولايمكن كشفها في وقت التنفيذ .. الى درجة أن المنفّذ لها يقول لموسى ؛ إنك لن تستطيع معي صبراً !!! ومع ذلك سأله موسى ثلاثة أسئلة ليقرر بعد ذلك : أن هذا فراق بيني وبينك !! لانك لاتصبر أو تتحمل خطة الله !

المثال القرآني الثالث لخطة الله هو أيضاً ماجاء في قصة ولادة النبي موسى ونجاته من فرعون .. فبعد أن قرر فرعون قتل جميع المواليد الجدد لكي يتخلص من النبي الذي سوف يسلبه ملكه وجبروته .. اقتضت الخطة الالهية أن تبقي موسى حيّاً حتى يبعث نبيّاً من خلال سيناريو إلهي مذهل .. لقد كان من المفترض أن يكون قرار فرعون بقتل المواليد الجدد شاملاً لموسى وسبباً لقتله والتخلص منه حسب ( خطة الانسان ) ! لكن هذا القرار أدّى إلى أن يوحي الله سبحانه الى أم موسى أن ضعيه في تابوت واقذفيه في اليم !! تصورا ماهي النتيجة المفترضة لالقاء رضيع في اليمّ حسب الاسباب الظاهرية ؟!! فليلقه اليمّ بالساحل !! ويأخذه عدوّ لي وعدوّ له !!!!
ياإلهي !!! سيعيش موسى في بيت فرعون الذي يبحث عنه ليقتله !! تأملوا كيف تسير خطة الله بنفس أدوات خطة الانسان لكنها تعاكسها في النتائج !! سيناريو بقاء موسى حيّاً في بيت فرعون نفسه أسميها ( سخرية إلهية مذهلة وهائلة ) بخطط الانسان !
الى هنا اعتقد أننا لابد أن ندرك جميعاً أن هناك خطة إلهية تسير جنباً إلى جنب مع خطة الانسان في جميع شؤون حياتنا .. وأننا محكومون شئنا أم أبينا لنتائج خطة الله .. وحيث أن الله هو مصدر الخير والكمال المطلق فلا نتوقع من خططه إلا الخير المطلق وإن بدت بعض محتوياتها غير مدركة أو تتنافى مع حساباتنا ظاهراً ...
ومن الضروري أن نشير هنا الى أن خطة الله وحتمية جريانها  لاتعني بأية حال سقوط مسؤولية الانسان تجاه واجباته الشخصية والاجتماعية والشرعية والانسانية.

في ضوء جميع ماتقدم فإن ظهور  ڤيروس كورونا سواء كان بفعل البشر أو بسبب أفعالهم أو بسبب آخر  فإنه لايخرج عن أن يكون جزءاً من خطة الله التي لاتنتج  للانسان إلاّ الخير والنجاة .. وليس علينا إلا أن نثق ونطمئن بخطة الله ونتائجها .. فإن الذي حفظ سفينة المساكين  وكنز اليتيمين لايعجزه أن يحفظنا نحن المساكين الأيتام أمام هذه الطبيعة اللامتناهية .. وسوف تنكشف بعد حين قصة ( كورونا ) لكنها تحتاج الى صبر ! وصبر فقط. 
وليس علينا إلا أن  نكون بذواتنا وأفعالنا عناصر إيجابية في تنفيذ هذه الخطة وإن كانت مجهولة لنا بالفعل. 
(( وَ لِلَّـهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللَّـهُ عَزِيزاً حَكِيماً ))
الفتح : 7.



ظاهر صالح الخرسان 
يجمع الفكرُ الانساني على إنّ الإنســان كائن إجتماعي بطبعه ولهُ ميول جامِحة نحو العيش ضِمن الجَمـــاعة
وبطبيعة النفس البشرية ايضا بسبب الغرائز المودعة فيها فإنها تتجه نحو التمرّد شيئاَ فشيئاَ ما لم تكن هناك بوصلة ضبط الايقاع
لذلك نشأ الصراع السماوي الذي لم يترك النفس البشرية دون ضبط إيقاع مع المادية التي أخذت على عاتقها الصراع ضمن ايدلوجيات منحرفة من خلال عقائد مضللة او افكار هدّامة وسلوكيــات منحرفـــة ببرمجةِ ماكرة ووسائل خبيثة لها الاثر البالغ في النفوس الضعيفة والعقول الخاوية وذات السلوك الليّن التي تشبه الغصن الطريّ الذي يتمايل مع الريح من أي إتجاه هبّت وفي أي وجهة غدَت .
يُمثّل التمرد أيضاً نوعاً من الغضب أو الرفض لأسلوب حياة مُعيّن بادّعاء الرغبة في الحُرّيّة أو التعبيرعن النَّفْس أو تحقيق الذّات
بعض القوى المتسلطة والاتجاهات المهزومة وجدت في هذه البيئة ضالتها لتصل الى غاياتها .
فقد دشّنت مفهوم التمرّد ودعمته بكل الوسائل وبضخ اعلامي كبير مع دعم مطلق لمتبنياته التي تنطلق وفق رغبة النفس المراهقة فكريا وسياسيا واجتماعيا .
بل قامت هذه الاتجاهات بتزويد الجماعات "المتمردة" الى الانتقاص من المقدس ومحاربة خصوصيات المجتمع وضرب المثل الاعلى والقدوة ..
الكاتب مايكل هوسكيلر يقول إنه "قبل كل شيء علينا التخلي عن فكرة أن العالم منظم بطريقة عقلانية
البير كامي من ابرز الذين نظروا لموضوع التمرد وتزييف القيمة الحقيقية للانسان
حيث كرّس لهذا الموضوع كتابا كبيرا بإسم "الانســان المتمرد" انكر التاريخ بحجة الرجوع للطبيعة وتزييف التقدم بإسم القضاء على الاستعباد "الوهمي" والدفاع عن التحرر
ما يهمنا من خلال تنظيره لهذا الموضوع انه يرى في عصرنا هذا لم يَعُد التمرد  في رأيه  تمرُّدَ العبد على سيده ولا تمرُّدَ الفقير على الغني، وإنما أصبح تمردًا ميتافيزيقيًّا، يعني تمرد الإنسان على وضعه وموقفه الإنساني ذاته فالتمرد الميتافيزيقي هو احتجاج على أوضاع الإنسان وعلاقته بالسماء وبمقدساته وهو تأكيد لفردانية الإنسان وإنكار للأخلاقية، وهو سعي إلى تأكيد الذات إزاء عوامل اليأس .
وكذلك بفضل تأثير هيجل أصبح يُنظر إلى العقل على أنه القوة المحركة للتاريخ وترتَّب على ذلك سيادة النزعة المادية العلمية والنزعة الإلحادية واللاأخلاقية ثم أصبح كل شيء يُستباح في سبيل تحقيق هذه الغايات
على الشاب الذي يظن نفسه متمردا على واقعه  بهذه الفوضوية التي تتلاعب به كقوة سياسية واتجاهات فكرية ان ينتبه انه دخل دوّامة  كبيرة ترمي به خارج منظومة القيم الانسانية التي هدمتها المادية





أ.حسن الزين

يعيش الفرد اليوم وسط غابة من وسائل الإعلام، فهناك حوالي 11800 قناة فضائية تلفزيونية مفتوحة، وحوالي 44 الف اذاعة، وحوالي مليار موقع وصفحة انترنت، و3 مليار مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، و3 مليار هاتف خليوي منها 2 مليار هاتف ذكي حول العالم، وهناك ما يقارب 6100 معظمها أصبحت تبث عبر الانترنت .

وفي لبنان هناك 6 قنوات وعشرات الاذاعات، والعشرات من الصحف اليومية والإسبوعية، ولدينا 2 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي والانرتنت، وحوالي 2 مليون هاتف ذكي.

إن خلط الأوراق وإثارة الأحداث من وظائف الحرب الناعمة، أي أنها تخلط الحق بالباطل وترفع شعارات إصلاحية وعقلانية وتصل الى قيام العدو بإدعاء مد يد التعاون، وهذا ما يضيع البوصلة الصحيحة للأحداث والقضايا لدى بعض النخب والجماهير التي لم تدرك بعد أن لعبة الحرب الناعمة التي تنتهجها الدول المعادية وخاصة الادارة الاميركية في ظل الانتشار الواسع لتكنولوجيا الإتصال والإعلام وعصر الانفجار المعلوماتي أصبحت تقوم على معادلة الإقناع الإعلامي وهو غير الإقناع البرهاني والشرعي "فالمنتصر والقوي هو من تفوز روايته للأحداث بصرف النظر عن حقيقة الأحداث".

أي الطرف الأقدر على إقناع العالم بمصداقية روايته وتوصيفه للأحداث والوقائع بصرف النظر عن الحقائق والمعايير الأخلاقية. ويمكن أن نضرب من باب المثال حجم التضليل والخداع الذي واكب أحداث سوريا !!
ومن هنا نفهم ما تحدث منظر الحرب الناعمة جوزيف ناي من أن " القوة الناعمة تعتمد أكثر من القوة الصلبة العسكرية على وجود طرفين : طرف موجه يروج لدعاية ما من جهة ومتلقين مستعدين لقبول التوجيه الإعلامي".
وتعكس هذه المقولة حقيقة اصبحت واضحة في هذا العصر الذي تتدفق فيه المعلومات من شتى المصادر الاعلامية، وفي ظل توفر الوسائل الاعلامية ومصادر المعلومات بغزارة لم يشهد لها العالم نظيرا قي تاريخه .
من الناحية العلمية التشريحية تشكل وسائل الإعلام احدى المصادر البارزة لصناعة الوعي الفردي والجماعي ومنفذ ومصدر مهم لإدراك الاحداث والوقائع السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وقد دخلت في عمليات الحرب النفسية منذ بدايات القرن 20، لكن هذه العمليات تطورت مع انتشار وسائل الاعلام وخاصة الانترنت في التسعينات من القرن 20.

وحتى التسويق التجاري للشركات يعتمد بنسبة كبيرة على ما تبثه الإعلانات ووسائل الدعاية المختلفة وله أبحاث في علم الاعصاب تربط بين صورة المنتجات والسلع وكميات الطلب عليها ورفع وتيرة الاستهلاء وعمليات الشراء، حتى أن المستهلك أصبح يشتري معظم الأشياء بدون أن يكون لديه حاجة اليها، لكنه يـأثر بالاعلانات وفق ابحاث مارتن ليندستروم، أحد أهم خبراء التسوق والاعلانات (دوافع التسوق، لماذا نشتري، حقائق وأكاذيب ؟) .
وفي العام 1995 أجرى وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون ابحاثاً على الفص الأيمن من الدماغ حيث توجد القشرة المتكونة حديثاً Neocortical   التي يمكن تشبيهها بمنظومة إعلامية تستقبل المؤثرات الخارجية، وتساهم في إحداث تأثيرات عميقة في العقد العصبونية Neural Nodes  للعقل البشري(1) .

وتطورات الأبحاث من مستوى الفرضيات الى مستوى النظريات التي تؤكد وجود تأثيرات حقيقية على المتلقي للمؤثرات الاعلامية من منافذ التكنولوجيا من خلال حلقات رباعية مترابطة يرمز إليها بـ OODA  والتي تلخص آربع آليات يمارسها الذهن البشري وفق الآتي :
1ـ مراقبة Oserve
2 ـ توجيه Orient
3ـ  قرار Decide
4ـ  فعل Act  .


بناء عليه، تعمل وسائل الإعلام والتواصل على إحداث الخلل والإضطراب في آلية عمل تلك الحلقات بهدف إحداث التأخير في نمطها عملها الدوري.
وقد استخدم في العملية دراسات وأبحاث اعتمدت أحدث انجازات مناهج علم النفس وخاصة مبادئ المدرسة السلوكية الأميركية التي ترتكز على عقيدة تقول " ان خلق بيئة محددة من القيم يعطي نتائج محددة من السلوكيات" تلك البيئة يتم صناعتها بمساعدة من علوم البرمجيات اللغوية وعلم أعصاب الدماغ والبارابسيكولوجي ومنجزات تكنولوجيا الإعلام والإتصال التي بلغت ذروتها في العقدين الإخيرين في هذا الإنتقال(2).
وعندما تحدث جوزيف ناي عن تغير سياق القوة اشار الى أن هذا العصر الذي تقلصت فيه الحروب العسكرية لكسب الأرضي لأسباب كثيرة يشهد حروبا من نوع اخر، انها الحرب لكسب الشرعية وحرب كسب العقول والقلوب، وعصر الحروب النفسية والالكترونية وما شابه .

من هنا أصبح لوسائل الاعلام دور بارز في تحديد المنتصر والفائز والمهزوم، واصبح الاعلام صناعة سياسية وثقافية خطيرة، ولهذا أضافت معظم وزارات الدفاع أقسام متخصصة بحروب المعلومات بهدف نشر الأخبار المضادة ومواجهة الدعاية التي تروجها الجماعات والدول ( أنشأت وزارة الدفاع الاميركية مكتب التضليل الاستراتيجي أضافت عام 2003 وأنشأت وزارة الدفاع الروسية قسم اعلامي تابع لهيئة الأركان الروسية لمواجهة الداعاة الاعلامية والمعلومات المغلوطة عام 2016 ) .
وأيضاً التنظيمات الارهابية استغلت واستثمرت في وسائل الاعلام وخاصة في الاعلام الجديد، وأنشأت أقسام متخصصة للدعاية والتضليل، وبرز منها تنظيم داعش الذي اعتمد على بث الفيديوهات الإجرامية ومشاهد قطع الرؤوس لتخويف اعدائه واجتذاب الاتباع الجدد.

وفي ساحة الحرب الناعمة ينبغي لجمهور المقاومة ادراك أهمية المعلومات والاخبار ومن اين يستقون هذه المعلومات والاخبار، وكذا التحليلات السياسية، وضرورة " فلترة " كل ما ينشر في وسائل الاعلام لأن الدول وأجهزة المخابرات المعادية تعتمد بنسبة كبيرة لتسويق مشاريعها السياسية والثقافية وحتى العسكرية على ضخ معلومات وسيناريوهات وحروب نفسية ودعايات مغرضة وتضخيم شخصيات فارغة وتصغير شخصيات كبرة، وكذا اشاعة قيم فاسدة تحت عناوين الانفتاح والحريات و" الرأي والراي الأخر " وكلها أكاذيب خادعة ثبت ضلالها على مدى السنوات ال20 الماضية منذ انتشرت وسائل الإعلام بكثافة لا نظير لها .
وبالمقابل، لدينا منظومة اعلامية قوية يشهد لها العدو بالمصداقية والتأثير والحصافة والرصانة ينبغي أن نحافظ عليها وندعمها ونطورها، ومتابعتها في استقاء الاخبار والتحليلات . 



صادق الطائي
مع تزايد الضغوط الأمريكية على الاقتصاد الإيراني وايصاله إلى حافة الاختناق، نفذت ضربة صاروخية تبنتها حركة أنصار الله الحوثية على المنشآت النفطية الاستراتيجية السعودية. وقف العالم على أطراف أصابعه، وتوقع العديد من المراقبين ردا قاصما حاسما ستقوم به الولايات المتحدة الأمريكية دفاعا عن مصالحها ومصالح شركائها السعوديين، لكن لم يحصل شيء حتى الآن.
الكثير من الأسئلة طرحت بعد هذه الضربات التي وصفها المراقبون بأنها «خطوة ستحرف مسار الأحداث في الشرق الأوسط، وتغير الكثير من الحسابات»، لكن السؤال الأول الذي يطرح هو، متى سترد الولايات المتحدة؟ وهل سيكون الرد على شكل ضربة محدودة لحفظ ماء الوجه؟ ومن جانب آخر، إذا تلقى الإيرانيون ضربات أمريكية، هل سيقفون مكتوفي الأيدي؟ علما أن إيران رسميا، ومنذ اللحظات الاولى، أعلنت موقفها من الازمة ونفت أي علاقة لها بضربات أرامكو.
عندما أقال الرئيس الأمريكي ترامب مستشاره للأمن القومي جون بولتون يوم 10 سبتمبر الجاري، قرئ الأمر على انه خطوة يقدمها ترامب باتجاه التفاوض مع إيران والابتعاد عن الحرب، لأن بولتون كان أهم صقور ادارة ترامب، وكان دائم التهديد بضربات استباقية توجه لإيران، قبل أن تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، كما كان أبرز من طالبوا باتخاذ قرار ضرب إيران، ردا على إسقاط الايرانيين للطائرة المسيرة الأمريكية في 20 يونيو الماضي. وقد اتخذ الرئيس ترامب قرار الضربة العسكرية حينها نتيجة ضغوط فريق بولتون، لكنه تراجع عنها في آخر لحظة نتيجة الخسائر البشرية المتوقعة بحسب ما أعلن الجانب الامريكي. إلا أن المفارقة تبدو أن من تلقف فرصة إزاحة بولتون هو الجانب الآخر، إذ نفذت الضربة الصاروخية ضد المنشآت النفطية السعودية فجر السبت 14 سبتمبر‏بعد اربعة ايام فقط من إقالة بولتون، فهل باتت إيران وحلفاؤها الآن هم من يلعب لعبة دفع الازمة باتجاه حافة الهاوية؟
الصدمة التي شابت موقف الشارع السعودي والتي تحولت بعد ذلك إلى نوع من المرارة والاحباط تقف خلفها عدة أسباب، فالكل ينظر إلى أصحاب القرار في السعودية نظرة من تعرض للنصب والاحتيال، فبعد أن وضعت المملكة بيضها كله في سلة ادارة ترامب منذ زيارته الاولى للرياض، ورغم أكبر صفقات تسليح نفذتها المملكة عبر تاريخها مع إدارة ترامب، التي استحوذت على حوالي 500 مليار دولار من أموال المملكة، كل ذلك لم يحم المصالح الاستراتيجية السعودية. وبضربة ربما شنتها قوات حركة أنصار الاسلام الحوثية بصواريخ بدائية وطائرات مسيرة رخيصة الثمن، موجهة بدقة إلى الخاصرة الرخوة في الاقتصاد السعودي، ليصحو السعوديون يوم 14 سبتمبر وقد انهارت صادرات بترول المملكة إلى النصف. وهنا يطرح السؤال المفزع، اذن ماذا سنفعل اذا شنت إيران ضرباتها العسكرية التي يمكن أن تطال كل المراكز الحيوية في المملكة؟
بعد أكثر من أسبوع، مازال رجل الشارع السعودي ينتظر تقارير التحقيقات السعودية والدولية، التي ستكشف مصدر الضربات، إذن أين الرادارات ووحدات الصواريخ المضادة ونظم المضادات الجوية المتفوقة، التي اشترتها المملكة بمليارات الدولارات؟ ولماذا لم تعمل كل هذه التقنيات التي أهدر السعوديون اموالهم عليها على حماية سماء السعودية من هجوم تشنه «ميليشيات» الحوثي، كما يطيب للاعلام السعودي تسمية اليمنيين؟ لكن من جانب آخر، هل كانت ضربات بقيق وخريص، وهما أكبر معملين للبترول في العالم مستبعدة من الاستهداف؟ ألم تعمل السعودية ومن خلفها ادارة ترامب على تأمين المكان الذي قد يعرض الاقتصاد العالمي إلى هزة؟ والإجابة نجدها في تقرير أمريكي نشره مركز الدراسات الاستراتيجية الدولي (CSIS)ومقره واشنطن، قبل حوالي شهر من الاحداث، ففي تقرير مؤرخ بـ 5 أغسطس الماضي، حمل عنوان «تهديد إيران للبنى التحتية الحرجة في السعودية: تداعيات التصعيد الأمريكي – الإيراني»، أشار التقرير إلى أن خطر استهداف المنشآت التابعة لأرامكو من قبل إيران لا يزال ملموسا، رغم إنفاق الشركة مبالغ هائلة على تأمين البنى التحتية الخاصة بها. ولفت التقرير إلى أن هجوما محتملا قد ينفذ باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة، بالإضافة إلى عمليات تشل الشبكات الإلكترونية بهدف تحييد مراكز القيادة والمطارات والمنظومات الدفاعية للجيش السعودي قبل تنفيذ الاعتداء. واشار التقرير بدقة وتحديد إلى أن الهجوم على مصانع النفط الخام في المملكة سيمثل الخطرا الأكبر، وحدد: «من بين هذه المصانع يعد معمل بقيق أكثر ضعفا، لكونه أكبر مصنع لاستقرار الخام على مستوى العالم يمر عبره يوميا أكثر من 7 ملايين برميل». إذن لماذا لم تتخذ اي جهة خطوة عملية في تعزيز حماية هذه المنشآت؟
التصريحات الرسمية الايرانية جاءت متزامنة، مع الحشود العسكرية التي شهدها ميدان الاستعراض العسكري السنوي في طهران يوم 22 سبتمبر بمناسبة ذكرى الحرب العراقية الإيرانية، فقد صرح الرئيس الإيراني حسن روحاني ‏من على منصة الاستعراض بشأن الازمة قائلا: إن إيران «ستقدم خطة في الأيام المقبلة بالأمم المتحدة» للتعاون من أجل ضمان أمن «الخليج الفارسي ومضيق هرمز وخليج عمان» بين دول المنطقة. وأضاف أن بلاده مستعدة للتفاوض، وتتمتع بالمنطق، لكنها لن تقبل الاستسلام والذل، وستدافع بكل قوة عن أرضها. وأكد أن بلاده لن تعتدي على أي دولة، لكنها في المقابل لن تسمح للآخرين بالاعتداء على أراضيها وحدودها، وستواجه هذه التهديدات بكل قوة. كلمات روحاني جاءت محذرة، ومن موقف اراده أن يبدو موقف قوة في ظل العقوبات الخانقة التي تعاني منها طهران.
المفارقة الاخرى جاءت من رد فعل حركة أنصار الله الحوثية في صنعاء، إذ عرضت الحركة وقف استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ والطائرات المسيرة، وقالت إنها تنتظر إعلانا مماثلا ممن يستهدفون اليمن، مطالبة بالانتقال مباشرة إلى مفاوضات جادة، تفضي إلى الحل السياسي الشامل، في ظل وقف تام لإطلاق النار. وقال مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى لجماعة أنصار الله الحوثية، في خطاب بثته قناة «المسيرة» الفضائية الناطقة باسم الحوثيين: «نأمل من الرياض أن ترد على هذه المبادرة بأحسن منها، وإن لم تستجب السعودية للمبادرة واستأنفت القصف، فسيكون من حقنا الرد عليها، وننتظر إعلانا مماثلا بوقف كل أشكال الاستهداف الجوي لأراضينا». فهل سيقبل السعوديون الأمر ويرضخون لمطالب الحوثيين بالعودة لمفاوضات السلام؟ خصوصا بعد أن غدا الوضع اليمني أكثر ضبابية اليوم، بعد أن انشقت الامارات العربية عن الجهد السعودي في محاولة للاستحواذ على اليمن الجنوبي، عبر توطيد نفوذ شخصيات موالية للإمارات، وطرد عبد ربه منصور هادي المدعوم سعوديا والموالين له من عدن.
الرد الأمريكي على الازمة جاء باهتا، ولم يصل إلى مستوى التوقعات، وهذا الامر زاد من قلق السعوديين، فقد غرد الرئيس ترامب على حسابه في تويتر مجموعة تغريدات في اليوم الثاني من الهجوم، وقال في تغريداته يوم 15 سبتمبر 2019؛ إن الولايات المتحدة «على أهبة الاستعداد» للرد على الهجوم الذي استهدف البنية التحتية النفطيّة السعودية، وكانت واشنطن قد حملت إيران مسؤوليته. وأضاف «تعرّضت امدادات النفط في المملكة العربية السعودية للاعتداء. هناك سبب للاعتقاد بأننا نعرف الجاني»، وتابع: «نحن على أهبة الاستعداد، لكننا ننتظر أن نسمع من المملكة العربية السعودية بشأن من يعتقدون أنه سبب هذا الهجوم، وبأي شروط سوف نتحرك».
وكانت قراءات أغلب المحللين والمتابعين لأزمة ضربات أرامكو وموقف إدارة ترامب منها تقول؛ صحيح أن ترامب انسحب من الاتفاق النووي مع إيران العام الماضي، وصحيح أنه أعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية عليها، إلا أنه يقاوم بكل قوة أي محاولات لجره إلى حرب معها. ورغم أن الرئيس ترامب لم يخجل يوما من أن يعلن جهارا نهارا أن على السعودية أن تدفع مقابل الحماية الأمريكية، وقد دفعت بالفعل الكثير، إلا أن ترامب وإدارته ووعوده في النهاية لم يحموا السعودية من أبسط هجوم، وقد كلفها ذلك كثيرا. ويبدو أن الرئيس ترامب لن يقدم على خطوة الحرب، خصوصا في ظل حشد طاقات فريقه لخوض انتخابات الرئاسة في العام المقبل، والنتيجة أن على من اعتمد عليه، ودفع له مئات المليارات أن يبحث عن حلول منطقية أخرى تخرجه من أزمته.


علي حسين
ماذا فعلت مجالس المحافظات في الوطن؟ أعتقد أن البعض، وهم كثر، من أعضاء مجالس المحافظات يعتقدون أنهم يديرون مزرعة أو شركة تهدف إلى الربح،
فكان التركيز الأكبر على الاستحواذ على المشاريع والمقاولات التي منحت لمقربين من هؤلاء الأعضاء. بسبب الكوارث التي مر بها العراق رأى السياسي والحقوقي حسين جميل رجل التنوير الذي توفي عام 93 وترك إرثا سياسيا وفكريا رائعا، أن العراق بحاجة إلى مجلس للخبراء يراقب عمل المجالس المحلية ويكون المسؤول عن وضع القوانين والتشريعات بناء على طلبات الشعب التي قدمها أعضاء مجلسه المنتخبون.. بالطبع لا نناقش الفكرة التي طرحها حسين جميل أيام العهد النيابي الملكي، لكننا فقط نستلهمها في هذا التساؤل: ترى لماذا رأى سياسينا الكبير الذي عاش أكثر من تسعين عاما أن المجالس المحلية- أيا كانت صدقية انتخابها- لا يجب بتاتا أن تكون لها صلة بالتشريع؟ هل لأنه رأى في أعوامه التسعين ما نراه اليوم من "جهل وجهالة" كثير من أعضاء مجالس المحافظات "المنتخبين"، أيا كانت طريقة انتخابهم؟. الخراب ينتشر لأن الجهل والجهالة هما سيدا الموقف في كل المجالات.. لأننا "نكره العلم" ونكره التفكير العلمي ونكره كل مايمت إلى الثقافة بصلة. هل يعقل أن تلك "الشخوص" التي رأيناها في الانتخابات، تلك الشخوص التي يغلب على البعض منها جهل تستشفه من أول كلمة ينطق بها، هل يعقل أن هؤلاء يمكنهم إنقاذ العراق من محنته؟! واقع الحال يقول إنهم هم لعلهم من يجلسون عند رأس الوطن ساعة الاحتضار.. يتقاسمون غنائمه. الكثير من مسؤولي مجالس المحافظة يتشدقون بالديمقراطية وكأنها طبخة يعدونها من مواد مجتزأة من الدستور، أما أن يطبق الدستور كاملا فهذا مضر بالتأكيد بمصالح طبقة جديدة استغلت الفوضى لتتسيد المشهد، المشهد المليء بالمآسي والمضحكات ، وكان منها خبر إقالة محافظ بابل كرار العبادي، لأنه زور أوراق سكنه، تخيل محافظ يزور أوراقا رسمية، والمضحك في الطريق، فقد أخبرنا المحافظ أن المشكلة معه ليست بسبب تزوير محل سكنه، وإنما لأنه أصدر قرارا ألغى فيه تعيين ابنة رئيس مجلس المحافظة.. وستضحكون اكثر عندما تعرفون أن رئيس مجلس المحافظة زور أوراق ابنته ليتم تعيينها في إحدى الوظائف!، حيث كشفت لجنة التعيينات في محافظة بابل ان رئيس مجلس المحافظة سجل ابنته "معاقة"، رغم أنها سليمة تماما. إلى هنا والحكاية الكوميدية لم تنته، فالمحافظ لا يريد أن يغادر الكرسي، ورئيس مجلس المحافظة مصر على أن ابنته معاقة.
إذن أيها العملاء شعبا ووسائل إعلام، ما أنتم إلا ثلة حاقدة تريدون أن تبيعوا البلاد للأجنبي، وتخططون في الخفاء لتشويه سمعة أعضاء مجالس المحافظات المؤمنين الذين يؤدون الفرائض ويقيمون الشعائر.




اياد السماوي

رئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي سيتوّجه بعد غد الخميس إلى الصين على رأس وفد رفيع المستوى في زيارة وصفها المراقبون من كلا البلدين بالتأريخية , حيث أعرب هؤلاء المراقبون عن تفاؤلهم في أن تدّشن هذه الزيارة المرتقبة نقلة نوعية ومرحلة جديدة في مسار العلاقات العراقية الصينية .. إنّ أهمية هذه الزيارة المرتقبة تتجّسد في إمكانية في إعادة الحياة وبعثها مجددا في مشروع البنى التحية الذي طرحته حكومة السيد نوري المالكي على مجلس النواب العراقي في سبتمبر عام 2012 والذي رفضته في حينها القوى السياسية الشيعية بسبب غبائها وحقدها وسفالتها وجهلها بمصالح الشعب الاقتصادية والسياسية ومستقبل أجياله القادمة .. وأهمية هذه الزيارة بالنسبة للسيد عادل عبد المهدي تأتي من كونها تشّكل فرصة ذهبية أمامه لإعادة مشروع البنى التحتية بشكل جديد ومختلف وبما ينسجم مع حاجة العراق المستقبلية للمشاريع الاقتصادية العملاقة التي ستضعه على اعتاب النهوض الاقتصادي والتنمية الشاملة في كل القطاعات الاقتصادية كالصناعة والزراعة والنقل والاتصالات والطاقة وقطاع البناء ..
إنّ استعداد الصين لتوقيع اتفاقات اقتصادية وتكنولوجية وأمنية وثقافية مع العراق تضع حكومة رئيس الوزراء السيد عادل عبد المهدي أمام المسؤولية التاريخية في استثمار هذه الفرصة الذهبية لبناء المشاريع الاقتصادية العملاقة كمشروع ميناء الفاو الكبير ومشروع مطار بغداد الدولي وإنشاء خطوط السكك الحديدية والطرق والجسور الحديثة وبناء مصانع البتروكيماويات والمدن الصناعية وبناء المدارس والمجمعات السكنية وبناء السدود على نهري دجلة والفرات والتعاون في مجالات الزراعة والاتصالات والري .. إنّ توقيع مثل هذه الاتفاقيات بعيدة المدى لا تضع العراق على طريق البناء والنهوض الاقتصادي فحسب , بل ستضع حدا لهيمنة الشركات الأمريكية والغربية المرتبطة بالمشروع الامريكي الصهيوني في المنطقة والتي لا تريد من العراق سوى نهب خيراته وثرواته وثروات أجياله القادمة .. فإذا كان الأغبياء قد رفضوا مشروع البنى التحتية والذي لم تتجاوز كلفته الأربعين مليار دولار بسبب حقدهم الأعمى , فإنّ أمام السيد عادل عبد المهدي فرصة توقيع عقد تأريخي مع الصين تتجاوز كلفته الخمسمئة مليار دولار تسدد أثمانه بالآجل من نفط العراق , وبهذه الطريقة يكون العراق قد ضمن سوقا مضمونة لتسويق نفطه وبأسعار السوق العالمية .. فهل سينجح السيد عادل عبد المهدي بإبرام صفقة القرن مع الصين ووضع العراق على اعتاب النهوض الاقتصادي والتنمية الشاملة ودخول التأريخ من أوسع أبوابه ؟ .. ختاما نقول للسيد عادل عبد المهدي .. توقيع مثل هذا الاتفاق التاريخي سيلجم كل الأصوات التي تطالب برحيلك .. فهل أنت ماض لتوقيع صفقة القرن مع الصين ؟ ..



مصطفى فحص
أثارت الأزمة السياسية بين «الحشد الشعبي» ومؤسسات الدولة العراقية التكهنات حول مستقبل الحكومة العراقية، باعتبار أن حكومة الدكتور عادل عبد المهدي جاءت نتيجة تسوية غير دستورية جرت بين أكبر كتلتين برلمانيتين: «سائرون» بزعامة السيد مقتدى الصدر، و«الفتح» بزعامة هادي العامري المدعومة من «الحشد الشعبي»، بعد جدل «برلماني - قضائي» حول تسمية «الكتلة الأكبر» التي يعود لها الحق دستورياً في تسمية رئيس الوزراء، حيث ذهب بعض الأطراف العراقية إلى اعتبار أن التسوية الإقليمية الدولية التي تحمي الحكومة باتت قرب نهايتها نتيجة تصاعد التوتر الإيراني - الأميركي في المنطقة، الذي انعكس مباشرة على علاقة «الحشد» بالحكومة ورفضه الالتزام بقراراتها، خصوصا المتعلقة بكيفية الرد على الضربات الجوية لقواعده، لكن محاولات «الحشد» التمرد على مؤسسات الدولة سرعان ما تحولت إلى أزمة داخلية بين أقطابه، أظهرت عدم تماسكه وكشفت عن صراع تيارات أضعف موقفه أمام الأغلبية العراقية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة والالتزام بالقرارات السيادية العراقية.
إلا إن هذه الأزمة وهذا الصراع بين أقطاب الحكومة أعطيا رئيسها هامش مناورة جديدة، يمكنه من تحصين موقفه، وتحسين شروطه، بعد محاولات أطراف التسوية فرض أجندتها على عمل الحكومة؛ ففي مرحلة حرجة يرتفع فيها مستوى الانتقادات للحكومة وتزداد الدعوة إلى محاسبتها بعد نحو سنة على تشكيلها، يسجل عبد المهدي نقاطا مهمة لصالحه، تخفف من حجم الضغوط عليه، وتعطيه فرصة قد لا تتكرر تساعده على إعادة ترتيب أولوياته، والمضي بخطوات أسرع نحو تحقيق بعض شعارات الإصلاح، واستقلاليةٍ، ولو محدودة، في اتخاذ القرارات، مستفيدا من مجموعة عوامل سياسية طفت فوق سطح التسوية... فرغم الانتقادات الحادة التي يتعرض لها أداء عبد المهدي الذي تعده أوساط معارضة مستقلة مترددا وضعيفا، فإن أصواتا مقابلة مستقلة أيضا ولها ثقل في التمثيل وتعبر عن رأي شريحة واسعة من الشارع العراقي بكل فئاته وتلاوينه، تراهن على قدرته في توسيع هامش حركته وتحريرها من القيود الداخلية والإقليمية.
وفي هذا الصدد، كتب الناشط السياسي العراقي والكاتب الصحافي سرمد الطائي؛ المعروف بمعارضته الجريئة لمرحلة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، في صفحته على «فيسبوك» أن «التيار المعتدل لا يريد إقالة عبد المهدي... بل بات ضروريا تحرير رئيس الحكومة؛ وهو محارب إصلاحي مهم طوال سنوات... من قيود كبيرة ومضحكة يفرضها المتشددون داخل البرلمان وخارجه... القيود هذه على كل التيار المعتدل؛ لا على السيد عادل فقط».
تصنيف عبد المهدي بـ«المعتدل» من قبل شريحة مؤثرة من العراقيين يؤمن له دعما هو في أمس الحاجة إليه بعد مرحلة من التشكيك العام في قدرته على الاستمرار في موقعه، نتيجة خلافات أطراف التسوية التي لم يعد من الممكن ترميمها بعد المواقف الحادة التي اتخذها زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، خصوصا آخر تغريدة له التي فسرت بأنها إعلان عن نهاية حكومة عبد المهدي، إلا إن تصريح الشيخ صباح الساعدي رئيس «كتلة الإصلاح والإعمار» النيابية التابعة لـ«تحالف سائرون» (الذي يقوده الصدر) بعد زيارته هيئة أركان القوات الجوية العراقية، وضع تغريدة الصدر في سياق دعم مؤسسات الدولة، وليس كما فُسرت بأنها مواجهة ضد عبد المهدي، بعدما أكد أن موقف الصدر أفشل مخطط تشكيل موازٍ للقوة الجوية، وهو موقف يتقاطع مع موقف حكومة عبد المهدي التي ألغت قرارا صادرا عن «هيئة الحشد الشعبي» حول تشكيل قوة جوية؛ الأمر الذي يمكن تفسيره بأن الصدر؛ الشريك الأساسي في الحكومة لا يزال متمسكا بها، بل إنه لم يتردد في تغطية قراراتها السيادية التي تتوافق مع مواقفه العامة، خصوصا في تحجيم دور «الحشد الشعبي».
عمليا؛ يرتفع منسوب القلق العراقي على مستقبل الحكومة، وردا على سؤال وجهته لأحد أقطاب التسوية الحكومية (طلب عدم الكشف عن هويته) حول مستقبل الحكومة، أجاب: «إن القلق الوحيد هو أن يقوم عبد المهدي بتقديم استقالته، وستكون استقالته سريعة إذا فشل في وضع العراق في مرحلة جديدة مختلفة عن السنين السابقة، وهو مشروع يواجَه من قِبل جهات داخلية وخارجية لها مصالحها الخاصة، ورغم التقدم البطيء للحكومة، فإنه لم يحدث تراجع في أغلب الملفات، خصوصاً الخارجية، وفي هذه المرحلة لا المجتمع ولا الأحزاب السياسية ولا النخب مستعدة لأن تدخل في مرحلة فراغ سياسي قد تحدث نتيجة إسقاط الحكومة وصعوبة اختيار البديل».
فعلياً؛ يواجه عبد المهدي تحديات كبيرة، في مقدمتها معارضة فعلية يؤسس لها السيد عمار الحكيم، ومن المرجح أن ينضم إليها الدكتور حيدر العبادي، وصراع داخلي نتيجة التباعد بين «الفتح» و«سائرون»، ومخاطر إقليمية قد تطيح الاستقرار الهش الذي يتمتع به العراق حاليا، لكنه بات يمتلك الفرصة لانتزاع مزيد من حرية الحركة والإفلات من الضغوطات.




صادق الطائي

اعتمادا على تصنيف منظمة الصحة العالمية لا يعد العراق من الدول الموبوءة بمرض نقص المناعة «الإيدز» ولله الحمد، إلا أن ملف هذا المرض الخطير يعاد فتحه بين الحين والأخر لما فيه من أسرار وشجون وآلام. أسرار تعود إلى صفقة دواء ملوثة، مثلت بداية دخول هذا المرض للعراق منتصف ثمانينيات القرن الماضي، والشجون تتلخص في إدارة نظام صدام لهذا الملف الشائك، والتعتيم عليه لأسباب مختلفة.كما أن التعامل مع مصابي المرض نتيجة الجهل والتحكم الأمني بالملف، أدى الى كوارث إنسانية ما تزال بقاياها موجودة حتى اليوم.
ابتدأت شجون القصة عام 1985 بصفقة دواء تعاقدت عليها وزارة الصحة العراقية مع شركة «ماريو» الفرنسية لتوريد دوائين هما (Factor VIII
وFactor IX ) يساعدان على تخثر الدم ويستعملان لعلاج مرضى الهيموفيليا، الذي يعرف بمرض نزف الدم الوراثي. وكان عدد مصابي هذا المرض في بغداد حينها حوالي 250 مصابا، يتلقون العلاج في مختلف مستشفيات العاصمة بغداد، كمستشفى مدينة الطب ومستشفى اليرموك ومستشفى الكرامة.
وفي عام 1986 تمت معالجة حوالي 238 مريضا منهم بالمصل الفرنسي الجديد، وفي غضون أيام بدأت أعراض التدهور الصحي تظهر على المرضى بشكل متسارع، بدون أن تستطيع الجهات الصحية العراقية تشخيص ما حصل للمرضى، ما دفع المستشفيات العراقية لتركيز إجراءات الفحوصات الطبية الشاملة على المرضى لتكتشف الكارثة.
الأمصال المجهزة من شركة «ماريو» الفرنسية ملوثة بفيروس نقص المناعة «الإيدز»، وقد تسببت بإصابة جميع الذين أخذوا المصل من مرضى الهيموفيليا، السبب الأول للكارثة كان نقص المعرفة، وعدم دقة فحوصات السيطرة النوعية على عينات، مما تم استيراده من عقاقير، كما إن المرض لم يكن معروفا طبيا على نطاق واسع كما حصل بعد ذلك، إذ لم يكن قد مر على اكتشاف الفيروس الخطير عام 1981 سوى بضع سنوات، كما أن معاملة المصابين وتوفير البيئة الصحية لهم لم يكن ضمن المعلومات المتوفرة للسلطات الصحية العراقية، ما حدا بالقيادة السياسية في العراق إلى تسليم إدارة الملف إلى جهات أمنية تشرف على الخدمة الطبية المقدمة لمنكوبي كارثة الأدوية الفرنسية.
ومن الملفات التي كشفت لاحقا تبين أن شركة «ماريو» الفرنسية، ارتكبت الكارثة نفسها مع عدد من دول منطقة الشرق الأوسط مثل ليبيا وتونس والجزائر، وقد أعلن الأمر، وتكشفت الفضيحة، وطالبت حكومات هذه البلدان الشركة بدفع تعويضات كبيرة لمصابي الخطأ القاتل، وقد وصلت التعويضات حينها بحسب التقارير الصحافية إلى حوالي مليون دولار للمصاب الواحد، لكن العراق من جانبه الرسمي بقي صامتا، بل نافيا لحدوث أي مشكلة مع الشركة. فلماذا اتخذت الحكومة العراقية هذا الموقف؟ من المعلوم أن سنوات النصف الثاني من عقد الثمانينيات كانت سنوات محنة بالنسبة للنظام العراقي، ففي فبراير 1986 سقطت شبه جزيرة الفاو بيد الإيرانيين، وهي تمثل منطقة استراتيجية بالنسبة للعراق، وقد تحصن بعدها الإيرانيون في الفاو ولم تستطع كل محاولات العراق إخراجهم منها، الأخطر ان احتلال الفاو تبعه العديد من الهجمات الايرانية ذات الزخم البشري الواسع، التي ابتدأت تهدد مدن الداخل العراقي، وبدا الايرانيون مصرين على الاستمرار في الحرب حتى إسقاط نظام صدام حسين.
في هذه الفترة، بعد عام 1985 تحديدا، ظهر جليا الدعم العسكري الفرنسي عبر صفقات التسليح الانفجارية، التي صبت في مخازن العراق، والتي تجاوزت في حجمها وأهميتها حتى التسليح السوفييتي الذي كان يعد المصدر الأول للسلاح العراقي، فقد تم تجهيز القوة الجوية العراقية بـ133   طائرة مقاتلة من نوع ميراج الفرنسية المتطورة، ما وفر للعراق تفوقا جويا ملموسا.
كما لعب تأجير الطائرات الهجومية الفرنسية من نوع سوبر إتندار دورا مهما في تغيير ميزان القوى في الحرب، إذ كانت هذه الطائرات مجهزة بصواريخ إكسوسيت AM39 المضادة للسفن، التي تطلق من الجو، والتي فرضت تفوقا ملحوظا للعراق، في ما عرف بحرب ناقلات النفط بالخليج، ما أدى إلى خنق الاقتصاد الإيراني، كما استخدمت هذه الطائرات في ضرب جزيرة خرج، التي تعد أحد أهم منافذ تصدير النفط الإيراني، بالإضافة إلى قصف مدن العمق الإيراني بفضل تفوق سلاح الصواريخ وسلاح الجو العراقي، المدعوم فرنسيا وعدم قدرة إيران على التصدي له، بالإضافة إلى مئات الأطنان من الاعتدة والمعدات العسكرية المختلفة، التي استوردها العراق من فرنسا، رغم قوانين مجلس الأمن القاضية بمنع تصدير الأسلحة للبلدين المتحاربين . فهل يضحي النظام العراقي بكل هذا الدعم مقابل حياة 238 عراقيا، أصيبوا نتيجة شحنة دواء فرنسي ملوث؟ بالتأكيد كلا. لكن بالمقابل، كيف تعاملت الحكومة العراقية مع الضحايا؟
تذكر إحدى السيدات من العوائل القليلة المتبقية من مصابي كارثة شحنة الدواء الفرنسي الملوثة، في لقاء مع إحدى الصحف العراقية معاناة هذه العوائل فتقول؛ «لقد فقدت اثنين من أولادي وثلاثة من إخواني في هذه القضية» وتتذكر أيام المحنة قائلة «إن أولادها وإخوتها كانوا يتلقون العلاج من مرض الهيموفيليا في مستشفى مدينة الطب في بغداد، وحصلوا على حقنة الدواء الجديد الذي جلبته الحكومة من الشركة الفرنسية، وبعد أيام جاءت مجموعة خاصة تابعة للصحة، وطلبت أخذ أولادي وإخواني، وهددونا بأنهم سيأخذون أحد ‏أفراد العائلة من الاصحاء كرهينة في حالة عدم تسليم المريض»‎، لم تكن تلك السيدة، أو بقية عوائل المرضى في بداية الأمر يعلمون إن مرضاهم مصابون بمرض «الإيدز»، وتضيف «حجروا المرضى في مستشفى ‏ابن زهر للعزل في منطقة التويثة جنوب بغداد، ووضعوا الأطفال مع أمهاتهم، واستمر الحجر أكثر من ثلاث سنوات».
بقية قصة المأساة هي؛ بعد حرب الخليج عام 1991 ونتيجة الفوضى التي أحدثتها الحرب، هرب المرضى من مستشفى العزل، الذي كان قد تحول إلى معتقل لمرضى «الإيدز»، حيث مات منهم 199 مريضا، وهرب المتبقون مع عوائلهم‏، وغير بعضهم محل سكنه خوفا من إعادتهم إلى المستشفى من جديد، لكن بعد ان استتب الامر، بدأت عمليات البحث عن المصابين، وأعيد الكثير منهم إلى المستشفى، حيث بقوا هناك حتى منتصف التسعينيات، وكانت جثث المتوفين من مصابي «الايدز» لا تسلم إلى ذويهم لدفنها، بل يتم إحراقها خوفا من تفشي الفيروس.
بعد إطاحة نظام صدام حسين أبان الغزو الأمريكي عام 2003، ابتدأت منظمة الهلال الأحمر العراقية، تحريك دعوى قضائية للمطالبة بحقوق الضحايا الذين قضوا بسبب المصل الفرنسي الملوث، لكن شركة «ماريو» صاحبة الشأن كانت قد أعلنت إفلاسها منتصف التسعينيات، وتم شراؤها من شركات «أفنتيس» و«سانوفي» الفرنسيتين و«باكستر» الامريكية، ‏فابتدأت الجهات العراقية بمطالبة ورثة شركة «ماريو» بتعويضات الضحايا، لكن  كل المحاولات باءت بالفشل حتى الان، إذ بين دفاع الشركات أن الحكومة العراقية، أبان الأزمة نفت وجود اي إصابة نتيجة استخدام الأمصال المستوردة من شركة «ماريو». كما إن كل الوثائق المتعلقة بهذه الأزمة، أتلفت في عقد التسعينيات قبل سقوط النظام السابق، ليتم إخفاء أي دليل على وجود هذه الفضيحة، لكن الملف بات يمثل مشكلة متجددة، وقد فتح مؤخرا، وبحسب تصريح المكتب الإعلامي، لنائب رئيس البرلمان العراقي حسن الكعبي في 19 أغسطس الماضي ذكر إن الكعبي «استقبل ممثلين عن ذوي ضحايا العقار الفرنسي، وأكد أن على الحكومة والجهات ذات العلاقة التعامل مع هذا الملف بجدية، إذ نجم عنه ضحايا عراقيون بهذا العدد الكبير، أغلبهم فقد حياته جراء هذا العقار الملوث». وأضاف البيان «إن من واجب الحكومة والوزارات المعنية، خاصة (الصحة والخارجية) متابعة القضية وعدم تسويفها، لاسيما أن أغلب الدول التي استوردت العقار وتسبب بإصابات، قامت برفع دعاوى قضائية وحصلت على تعويضات مناسبة للضحايا وذويهم». فهل سيتم إنصاف هؤلاء الضحايا بعد كل هذه السنين؟



مشرق عباس

لم يعد الأمر بحاجة إلى عين خبيرة لاكتشاف أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي يواجه حصارا خانقا من كل الأطراف العراقية والإقليمية والدولية، وأن حكومته برمتها مهددة بطريقة وأخرى، وأن مصدر التهديد لا يتعلق ببرنامج عبد المهدي الحكومي، ولا بتطبيقه، وإنما بالدرجة الأساس بطريقة إدارة الموقف من الصراع الأميركي ـ الإيراني الدائر في المنطقة.
وكانت الأسابيع الأخيرة قد شهدت النسبة الأعلى من الجدل والاشتباك العراقي الداخلي حول قضايا متعددة تخص الدولة وسيادتها ومن يمتلك القرار النهائي فيها. لكن عبد المهدي اختار الغياب عن الساحة فعليا وتجنب إصدار مواقف، ليفتح الباب لتأويلات متعددة حول مستقبل حكومته، وتاركا للآخرين حرية التعاطي مع ملفات في غاية الخطورة مثل حقيقة التفجيرات التي طاولت مخازن الحشد، والموقف من ردود الفعل حولها، وفوضى التعاطي مع الوجود الأميركي والوجود الإيراني في العراق وملف العلاقات الخارجية، والارتباك في ملف مكافحة الفساد، والغموض في قضية الخلاف المالي مع إقليم كردستان.
وليس مفاجئا، أن تتعرض حكومة عبد المهدي إلى انتقادات من كل الأطراف، حتى تلك التي شكلت حكومته واستحوذت على مناصبها مثل تياري “سائرون” و”الفتح” بالإضافة إلى القوى الكردية والسنية، حتى انحسر المشهد خلال الأيام الماضية عن رئيس حكومة يكاد يقف وحيدا، وقد ارتدى الجميع رداء معارضته سواء بشكل صريح أو مبطن.
وتلك نتيجة بديهية للجريمة الدستورية التي توافق على ارتكابها الأقوياء، عبر الطعن بمفهوم الكتلة الأكثر عددا التي على عاتقها تشكيل الحكومة وتحمل مسؤولية مساراتها، واختاروا بديلا عن ذلك حكومة يتمتع الجميع بامتيازاتها، ولا يتحمل أحد مسؤوليتها، ويكون بالإمكان الظهور بمظهر المعارض لها بين الحين والآخر.
يدرك عبد المهدي هذه الحقيقة، ويدرك أيضا، أن مساحة المناورة الواسعة التي تركها لزعماء القوى الرئيسية، وإن كانت تضعف موقفه، وتسمح بتهديد دائم بإقالته، لكنها تمنحه هامشا للحركة وسط توازنات معقدة تمنع في الأساس إيجاد أي أرضية للاتفاق الفعلي ضده.
وبمعنى آخر، فإن صمت عبد المهدي، هدفه إتاحة فرصة الصراخ للجميع، بل وتشجيعهم على تبادل الصراخ فيما بينهم، وصولا إلى الاقتناع بضرورة الصمت للسماح له بالحديث.
ولهذا لم يعلق عبد المهدي على التضارب الخطير في المواقف داخل منظومة الحشد الشعبي، وداخل الوسط السياسي نفسه، وربما لم يهتم لها في الأساس، مثلما لم يهتم بضرورة الإعلان عن حقيقة واضحة حول قصف مقرات الحشد ولا حتى الموقف من قانون إنهاء الاتفاقية مع الولايات المتحدة، ولسان حاله يقول: “إذا كان الإنصاف يتطلب الحقيقة الكاملة، فإن السياسة لا تحتمل إلا حقائق جزئية”.
لعبة خطرة، ربما كانت مفيدة أكثر في تفصيلات الصراع الحزبي العراقي حول المناصب والعقود، فإرضاء طمع الأحزاب للسلطة والمال ومساحة الاستعراض ليست مهمة مستحيلة، خصوصا إذا أدارها رئيس وزراء لا نية معلنة لديه في التأسيس لتيار سياسي جديد وفرض فلسفة جديدة لإدارة الحكم أو التأثير في الجمهور واستغلال إمكانات المنصب لهذا الغرض؛ لكنها قضية معقدة جدا عندما يتعلق الأمر بإدارة أزمة كبرى كتلك التي تدور في الإقليم وتهدد بجر العراق إلى قلب حرب مدمرة لا ناقة له فيها ولا جمل!
مازال الوقت مبكرا للتوصل إلى رؤية نهائية حول نية عبد المهدي التصدي لدوره الفاعل في إنقاذ الدولة في العراق من مستنقع “اللادولة” الذي سقطت فيه من عدمه، والرجل يمتلك الإمكانات الذاتية التي تؤهله للتصدي لهذا الدور، كما يمتلك الروح الوطنية العميقة التي تتيح له فك الحصار الخانق الذي يحيط به وبالعراق، وتقدم الصفوف وإسكات الضجيج والبدء بالحديث، وقد كان أثبت قدرته تلك في سلسلة قرارات جريئة حول فك حصار الكتل الكونكريتية عن شوارع المدن وإعادة الحياة إليها.



ظاهر صالح الخرســـان
ما إن يَحِينَ وقتَ الغُروب يوم العاشِر من المُحَرّم ..تتحوّل هذه الليلة الى ليلةِ كئيبة مُوشِحَة "بالوحشة" كما يُطلَق عليها في التّسمياتِ المَحليّة الشَّعبية انها لَيْلة يتيمة غابت فيها شمسُ☀ الإمامة نَحْراً وإنكَسَفَ القمَرُ قُربَ النَّهر، وبقايا رماد مَهْد طفلِ وبقربه امرأة محنية الظهر
الليلة التي يخيم فيها دخان الخيم ورائحة الدم واطفال مُشَردين في البيداء خوف حوافر الخيل وزعقات الرجال
تبقى ماثلة هذه الصور في الاذهان.
فكان عزاء القرية يختلف هذه الليلة سكون وهدوء وشموع منتشرة هنا وهنا فكانت النسوة تضع الشموع في زاويا البيت لتبدد الظلمة ويرددن (الليلة يزينب وحشة عليچ )
وبيوت القرية التي تضم في كل بيت منها "تنور من طين" لا يُسجَر في مثل هذه الليلة اطلاقا ولا يخبز الخبز فيه وتغلق فوهته بطبق كبير ...
امي ونسوة القرية يشعرن بالرعب قرب التنور وقت الغروب وعندما تغيب الشمس .
للمخيلة الذهنية طقوسها وشعائرها الخاصة انها حالة وجدانية تستذكر افتجاع العائلة وحرق خيامها وكما يتصورن (تحطيم تنور العلويات) وتذهب بهن المخيلة الى ان وَلَدا مُسلم هربا في زحمة المصيبة وبين حوافر الخيل واختبئا في التنور للصباح
فلا يسجرن التنور خوف ايذاء طفلي مسلم
البعض منهن ذهبن ابعد من ذلك الى ان رأس الحسين وضع في التنور ايضا...فبقينا لا تنور يُسجَر في تلك الليلة… وتهدمت دارنا بجرافات البعث الكافر وبقي التنور لا احد يقترب منه وكل دار مهجورة لا نقترب ونحن اطفال من اللعب قرب التنور او نفكر بتهديمه
انه الوجع الممتد من كربلاء الى القرية عبر الاف سنين

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget