آخر الاخبار :
14‏/4‏/2016

رؤيتنا : تأملات في بناء الإنسان والدولة


بقلم د.ضياء نجم الأسدي

الإصلاح الذي ننشد
في عراقنا الجديد, هناك اليوم دعوة مهمة للإصلاح , و لتصحيح مسار العمل السياسي الذي صُنع على أعين كثيرة , ونتيجة لمتغيرات و معطيات مختلفة في تأثيرها و قوتها و إرادتها و أهدافها. فالعوامل الخارجية و الداخلية ـ الذاتية و الموضوعية ـ التي أسهمت في صياغة شكل الكتل السياسية و شكلت أداءها على مدى الأعوام التي أعقبت سقوط النظام البعثي, مازالت قائمة و فاعلة, و لم يستطع معظم سياسي العراق الافلات منها أو التحرر من تأثيرها.

هناك اليوم وعي جماهيري عام ونخبوي خاص سائد ومتنام يدرك أن هناك خطئاً ما في مسيرة العراق التي أعقبت سقوط النظام الدكتاتوري. و أن هذا الوعي يدرك أن في مكنون الغيب أو على مشارف المستقبل القريب قد تقع سلسلة من الكوارث التي لن يمكن معالجتها أو الهروب منها الى الماضي أو المستقبل المجهول, بسبب طبيعة البناء السياسي الراهن وطريقة عمله.

وهذه المخاوف لم ينسجها المخيال الجمعي الميثولوجي, أو الثيولوجي, أو الثقافة الشعبية المتشبعة بكل تلك العناصر, بل هي نتاج تحليل موضوعي واقعي يتعاطى مع الحوادث الواقعة على الأرض بين ظهرانينا. و نتاج معرفة الناس بالأشخاص المعاصرين الذين يصنعون الأحداث اليوم و يقودونها وهم للأسف مؤهلون و بجدارة عالية لصنع الكوارث و الأزمات و المشاكل المستعصية. ليس بالضرورة لخبث في نفوسهم و سبق إصرار على فعل الشر, بل لمقدرتهم المتواضعة (وفي بعض الأحيان المعدومة) على إدارة الأزمات, و حلها, و عدم قدرتهم على التخطيط و الإبداع و الابتكار و التفكير خارج الصندوق الذي وضعوا أنفسهم فيه, و ربما سيضعوا الآخرين فيه.

اليوم, يتحدث الجميع عن إصلاح سياسي (Political Reform) و الحقيقة أننا نحتاج أيضاً الى تصحيح سياسي (Political Correctness) إن جاز لنا استعارة هذه العبارة الإنگليزية التي هي محل نقاش وجدل مازال قائما. فالإصلاح السياسي يستهدف بنية الدولة و أنظمتها و أجهزتها و عملها و إجراءاتها. وبعبارة أخرى فهو يستهدف البنية التحتية لعمل الدولة. أما التصحيح فهو البنية الفوقية أو النتاج الحاصل أو الانعكاس المتوقع لعمل البنية التحتية و تركيبتها و نتائج تلك الإجراءات و الأنظمة (مدخلاتها و مخرجاتها). ومن الواضح تماماً أن الخراب مستشر في الاثنين معاً.

 فالتصحيح المقصود هنا هو معالجة المفاهيم الخاطئة و المواقف, و المتبنيات و الأفعال التي تتعارض مع معيارٍ أو قيمةٍ ما, يحظيان باعتراف المجتمع و بقبوله. فمثلاً كيف يفهم المجتمع  و تفهم الدولة حرية الفرد, وخصوصاً حرية المرأة و توفير الفرص المتكافأة لها مع الرجل, و مفهوم الحريات الشخصية, ومفهوم المواطنة, و الحقوق و الواجبات, وكثير من المفاهيم المدنية المعاصرة التي تُعد من أبرز سمات المجتمعات الديمقراطية المتحضرة؟ و كيف يوفق صانعو السياسة بين تلك المفاهيم التي نشأت في حواضن فكرية و ثقافة مجتمعية تختلف عما نتبناه و نؤمن به في ثقافتنا الإسلامية و حاضنتها الاجتماعية و الفكرية؟

إن تصحيح هذه المفاهيم و القيم هي من ضمن واجبات الدولة و مؤسساتها. و لا يمكن بناء الدولة و بناء الإنسان وتنميتهما دون تحديد و تعريف  و تطوير لتلك المفاهيم, التي تُعد بمثابة اللغة التي يتواصل من خلالها أفراد المجتمع. لأنهم سيشكلون حول تلك المفاهيم قناعات مشتركة ووعياً مشتركاً يؤدي بهم الى التفاهم و الانسجام. على أن واحدة من أهم المشاكل الماثلة حالياً أمام المتصدين للإصلاح هي عدم وجود لغة مشتركة من القيم و المفاهيم التي تمكن أفراد المجتمع و صانعي السياسة من التحاور و التواصل و العمل المشترك.

هذه ببساطة أهم ملامح الواجبات التي تحتاج الدولة الى أدائها. و كما هو واضح فأن هذه الملامح ليست عشوائية أو منفصلة عن بعضها البعض بأي شكل من الأشكال. إنها تشكل نظاماً متناسقاً من المفاهيم (concepts)  و الإجراءات (procedures)  و العمليات (processces) التي تشكل بدورها إطاراً مفاهيمياً نظرياً ( theoretical and conceptual framework) ورؤية الى العالم (worldview) ورؤية لبناء الدولة  ( a vision for state building). ومما يؤسف له أن عمل الدولة ـ و عمل رجال الدولة ـ حتى الآن يفتقر الى هذا الفهم العلمي التطبيقي الذي لا يمكن أن نطمح الى تأسيس دولتنا أساساً صحيحاً دون النظر فيه و العمل على وفق اشتراطاته. اللهم إلا إذا ما اخترنا أن نعيش خارج هذا السياق التاريخي و الحضاري و أن نقنع أنفسنا و نقنع العالم أن أفضل طرق البناء هي العشوائية, و انعدام التخطيط و انعدام الرؤية الواضحة, أي الفوضى التي نعيشها. حينئذ علينا أن ندفع كلفة هذه المتبنيات و نأتي ببرهان بيًن و ناجح يثبت للناس صدق نبؤتنا أو صدق مدعياتنا.

و لكي لا نستغرق في وصف المشكلة نظرياً و نبتعد عن المعالجة الواقعية التي ننشدها, لنركز على ما أسميناه مجازاً البنية التحتية لعمل الدولة. وهي تتلخص في بناء مؤسسات رصينة تعمل على وفق قوانين صارمة و تخطيط مسبق و تتبع في عملها فلسفة و رؤية محددة واضحة المعالم. إن هذا النمط من البناء الذي نسعى إليه لا يتحقق بدون إرادة سياسية صادقة و قرار واع, وبدون استعداد أو إعداد لمقدمات هذا البناء. فالمشروع يتضمن حزمة من المعالجات التي  ينبغي أن تسير بتساوق و انتظام لا تنفصل عن بعضها إلا نظرياً  أو عندما نريد أن نبحث كل معالجة أو إجراء بالتفصيل, وعلى حده. وإلا فأن هذه المؤسسات هي تماماً كأجزاء الساعة, لكل منها حجمه و شكله و تركيبته ووظيفته, لكنها في نهاية المطاف تعمل بانسجام بالغ لتعطينا الوقت الدقيق. ولو أن كل واحدة منها اختارت أن تعمل لوحدها لما عاد لدينا ما يمكن تسميته ساعة أو أداة لضبط الوقت.

من أهم المشكلات التي تواجه بناء الدولة العراقية الحديثة.
إن التفكير و التطبيق و العمل لا بد و أن يقوم به مجموعة من الأفراد المختصين. وهؤلاء الأفراد المختصين في حال بناء الدولة نسميهم “صناع السياسة” (Policy Makers) , أو المخططون الستراتيجيون (Strategic Planners) أو أصحاب الرؤى (People with vision). و لكي نتحقق من أن الخطوة الأولى باتجاه البناء هي خطوة صحيحة يجب أن نتأكد من وجود الأفراد المناسبين في المكان المناسب. لكننا ويا للأسف لا نجد اليوم الاشخاص المناسبين في المكان المناسب الذي يمكنهم من صنع السياسات و اتخاذ القرارات. المتصدون لصنع السياسة اليوم أقل ما يقال عنهم أنهم لا يملكون رؤية واضحة لما يجب أن تكون عليه الدولة و لا يتقنون التخطيط و الإدارة.

قد لا يكون السياسي معنياً بالدرجة الأساس بالتخطيط و الإدارة و لكنه لا ينبغي أن يكون بدون رؤية سياسية و قدرة و كفاءة على صنع القرار و تنفيذه. ولو أن العراق كان بلداً منظماً تديره المؤسسات و تحكمه القوانين و القواعد, لما احتجنا أن نعمل كما لو كنا نبدأ من جديد. على أن البدء من جديد أمر له حسناته كما له مساوئه. إن بناء أساس صحيح وجديد أسهل من هدم بناء سابق و إعادة بنائه, أو ترميم بناء قائم يعلوه الخراب. إن فرصة العراق في أن يكون بلداً ناجحاً فرصة كبيرة لا تعادلها إلا فرصة أن يكون بلداً فاشلاً. فالنجاح و الفشل في حال العراق يتمتعان بحظوظ متساوية و ظروف موضوعية مواتية لكل منهما.

إن الحل الأمثل للخروج من هذا المأزق من أجل بناء العراق بناءً صحيحاً هو حلٌ معقد و مركب. يقع على عاتق كل عراقي ـ–وعندما نقول كل عراقي فإننا نعني العبارة تحديداً: كل فرد يمتلك عقل و إرادة و صوت و حياة يريد أن يحياها بكرامة و مستقبل يحلم به ويخطط له و لأفراد عائلته. الحل هو أن نبدأ بداية صحيحة. و عنوان البداية الصحيحة أو أبرز ملامحها هو التفكير الصحيح. و من دلائل و إشارات التفكير الصحيح و العمل الصحيح هي قلة المشاكل التي تعترضنا و القدرة على معالجتها أو تخطيها. أما إذا استغرقنا طويلاً في مشاكلنا و أصبحت مستعصية فإن هذه أولى العلامات الواضحة على أننا لا نعمل بشكل صحيح و أننا نسير في الاتجاه الخاطئ.

فماذا نفعل للعراق اليوم وكل شئ فيه متعثر؟ وكل مشكلة أصبحت عصية على الحل؟ و الجميع يعيشون فيه حالة من الأزمة و الترقب و انعدام الثقة؟ وربما أيضاً حالة من العدوانية التي قد تظهر أو تختفي أو تعيش تحت السطح ـ حالة من العدوانية النائمة التي تتمظهر يومياً في سلوكنا و ما ينتج عنه, وتتسرب الى عملنا و الطريقة التي نتعامل فيها مع البيئة و الناس و الطريقة التي نبني فيها وطننا.

علينا أن نطور قدراتنا في الكشف عن وجود الاشخاص المناسبين في المكان المناسب. و إن وجدنا خللاً في هذه القاعدة لا ينبغي لنا أن نسكت أبداً علينا أن نعترض ونرفض لان  الأمر إن بقي على ما هو عليه فنهايته المحتومة لن تكون سوى الخراب المحتوم. وفي بناء الوطن لا يجب أن نقع فريسة الأوهام, أوهام التعصب للدين أو المذهب أو الطائفة أو القومية أو الحزب. البناء يحتاج الى أدوات و مكائن و علوم في التخطيط و الاقتصاد و السياسة, و الإدارة و القانون, وغيرها, وكل تلك الأدوات و المعارف لا تنتمي الى مذهب أو قومية. بل تنتمي الى الإنسان أينما كان. المعيار الذي يُنجح العمل هو الكفاءة و النزاهة و القدرة و الابداع. وهذه عوامل قد يعززها الانتماء و يشذبها و يقومها. لكنها ليست متوقفة عليه لأنها مهارات يكتسبها الإنسان نتيجة الخبرة و الاطلاع و المراس و التجربة. أما الانتماءات فهي تتعلق بجانب مهم من شخصية الانسان وهو الجانب الوجداني أو الروحاني.

فالمسلم الذي يعمل جراحاً إن أراد أن يضيف الى مهنته أخلاق الاسلام وورعه و تقواه وصفاته الأخرى و أراد أن يطبق أحاديث شريفة من قبيل (خير الناس من نفع الناس, ورحم الله أمراء عمل عملاً فأتقنه, و الراحمون يرحمهم الله) فإنها ستزيده إبداعاً و أخلاقاً و كمالاً فيتسامى بمهنته الى أعلى الدرجات. ولكنه إن اختار أن يكون جراحاً ملحداً لا يؤمن بدين أو إله, و لكنه يؤمن بأن عليه أن يكون جراحاً ناجحاً في مهنته, فهذا لا يضر في بناء الدولة إن كانت تراقب عمله و تقننه و تحاسبه على تقصيره. فالدولة لا ينبغي لها أن توكل أمر العاملين الى ضمائرهم ووجدانهم وتقواهم وتعتمد على إيمانهم وورعهم وتدينهم في إنجاز العمل و في التقييم و المراقبة. لان ذلك كله لا يجب أن يكون محل اختبار أو تجريب للدولة التي تريد سلامة مواطنيها. تماماً كما لو كانوا  يخضعون الى عمليات جراحية. إذ يجب أن تكون حقوقهم مكفولة و الرقابة على من يجري لهم الجراحة على أشدها و أدقها.
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك
Item Reviewed: رؤيتنا : تأملات في بناء الإنسان والدولة Rating: 5 Reviewed By: الكوفة نيوز
Scroll to Top
يتم التشغيل بواسطة Blogger.